
مما علق بذاكرة طفولتي وبدايات صباي وكنا في مواسم الإجازات نقصد (البلد) الموسومة في منحوتات وجدان اهلي بأنها ثالث ثلاثة ؛ تونس الخضراء ؛ مكة المكرمة و(الكلكة) التي يلحقون بها قسم يدعمه القائل وهو يركز عصاه في الارض كمن يوثق حلفه وهو يقول (عندك دي) اي هنا ! كنا عادة نغادر في اواخر (مارس) من كل عام ؛ نصل بعد أيام نأخذ إستراحة في (نيالا) عادة تهبها امي لزيارات مرضى بمستشفى المدينة ودلق دمع عند بعض الاهل ممن فقدوا عزيزا او (سقط) منهم محبوب في غايبت جب عملية جراحية لم ينج منها ؛ بعدها نذهب وقد نعرج على (الضعين) تطوافنا مرات يات على ذكر (أضان الحمار) في دار الرزيقات التي حورت في عهد الإنقاذ الى (الفردوس) مثلما صعد (عد الغنم) الى عد الفرسان بذات التعليل المحسن لدلالات الاسماء ! بعدها يتكامل حشدنا عند بيت (جدتي) وجدات اخريات لا اعرف نسبتهن لكن الكل يقول اني جدي وجدتي ؛ فاجزت ذلك فقد كنت في سن لا تستوعب تسقط مسارات الانساب ؛ وكانت هي هناك يسمونها (حوا ام الكسيح) يسقطون الهمزة المندغمة في اسم (الكسيح) وهو إبنها ولا اعرف سر الاسم واللقب ؛ فالرجل الذي كانت داره عامرة في نيالا عند حرف وادي برلي في (تكساس) كان ملتحقا باحد القوات النظامية تدرج حتى حاز (الدبابير) ولم يكن كسيحا او حتى اعرج لكن اللقب سار به ومشى عليه ! واما (حواء) فقد كانت خليط من جمال آخاذ لم تطمره السنوات او ترهق محياه همتها في خدمة منزلها ؛ وهبها الله غير (الكسيح) حماد وحميدان والاخير يشبه كثيرا اهلنا (المحس) بتلك اللكنة ذات الجرس النوبي في صدى الاصوات حين تخرج من حلقه وبطرافته المرحة وجسده الضخم كان يشبه كثيرا جارنا بالخرطوم (عثمان بنجه) غير انه اصلع ولم تعتد افخاذه الاحاطة بالبناطلين ! احببت جدتي (حواء) زجرها لي حين اتطفل على معزها ؛ تتبعي لها حين (تفزع) لجلب الحطب او ترد الماء ؛ اربض انتظر اعدادها للطعام كانت سيدة ندية اليد مباركة ؛ حذقة ماهرة ؛ ملوكية السلوك والطقوس في الطبخ او تجهيز نصيب زوجها الجد (علي) الذي كان قد اسن حتى علا الشيب اجفانه وضاع بصره ؛ لكن الله ابدله بحنجرة من تردد صدى المذيع (صالحين) ولسان طلق يروي عشرات القصص والحكايات من مجلسه تحت ظل (هجليجة) يركن اليها وكأنه يحاكي اشباحا يراهم في عتمة عماه يعرفهم ؛ عادة كنت احمل الطعام الى الضراء _مجلس الرجال للطعام المشترك_ يجللني ضوع الابخرة فاشد يداي على محملي واجتهد بلساني في رد ريقي لكي لا ينسكب على صدري من بهارة ما اتكرف واشم ! ثم اعود انقل جدي (علي) يمد لي بعصاة غليظة امسك طرفها وهو يتبعني ؛ رجل ضخم عريض لكنه يهاب (حواء) فلا يقصد مكان المجلس إلا بعد ان يتدثر بافضل ملافحه ويزن قياسات الطاقية على راسه ويتخير افضل نعاله ثم تات الجدة مثل قائد طابور في مدرسة عسكرية تزيل (الملاحيظ) قبل ان تنثر عليه عطر آخاذ تبذل له على كفتيه الغلاظ بعض قطرات منه يفركها ثم يصفق كأنما صقر هبط بالمكان ليقول لي (كو بينا) اي نذهب وتتدخل هي لتوجه تحذيرا لي بعينها المنيعة (قود جدك بشيش ) فنذهب تلاحقنا بنظرها فان استدرات عنا صاح بي (المخروبة دي كان اندست عجل بينا) بعد ساعة او ساعتين نعود ؛ اجدها عادة في ذات المهام ؛ ترص السعف لتنسج فرشا لصلاة ؛ او تلون بمسحوق اسمه (التفتا) بعض ما نسجت ؛ احمر وازرق غامق وازرق صريح توزعها على ثلاث مسارات فتحسن الصنع والتلوين ؛ فنانة دون ان تحتاج لقائم ازميل او ضجر تعريفات السرياليات ! طوال فترة مكوثي في (البلد) لا ارى في (ام الكسيح) الا اداء كفاح وحسن بر وتبعل ؛ وقوة شخصية وهمة وصبر على المكاره جعلها تقريبا السيدة الوحيدة التي لا اظن انها بكت ! حتى في فواجع رحيل (علي) تحرت الصبر الحرون ؛ راتني بعده مرة او مرتين اتفرس شبح الرجل تحت (الهجليجة) فاقبلت نحوي مست راسي بكثير اسى وبعض حزن دسته في صرامة وجهها ثم انصرفت لمسح المكان من الشوك وبعض هوامل الرياح ثم انصرفت كطيف ولى ! ان (حواء) عندي ومثلها عشرات سيدات الثورة النسوية ؛ برزن كسيدات وعشن كملكات قدمن افضل من لديهن للناس والحياة والرجال دون ان يحتجن للافتة او هتاف.





