
“د.الصادق الهادي المهدي” يرد علي مقال الصحفية “منى ابوزيد ” لتوضيح الحقائق والتاريخ ..
يقول الروائي الأيرلندي جورج برنارد شو: “الخيال هو بداية الإبداع، إنك تتخيل ما ترغب فيه، وترغب فيما تتخيله، وأخيرا تصنع ما ترغب فيه”.
قرأت مقال منشور للسيدة منى ابو زيد بعنوان (هناك فرق- الحل بالأسنان) واود أن “أقول قولا على قولٍ” في الجزئية المتعلقة “بالطب العدلي” الذي نقلته الكاتبة عن محاضرة قدمها الدكتور أحمد رزق بهذا العنوان. وحسب المقال فقد أورد المحاضر سردية اعتبرتها “خيالية تماما فيما يتعلق باستدعائه حالة استشهادالإمام الهادي المهدي نموذجا لحاله سودانية في بحثه اما بقية الامثلة التي ذكرها فهي كلها حدثت خارج السودان وليس لدي تفاصيل باستخدام طب الأسنان العدلي فيها ” .
معلوم أنه من حيث التأصيل العلمي والموضوعي للمادة او الفكرة المقتبسة ان يلتزم الباحث او المحاضر بدقة النقل باعتبارها من الأمانة العلمية، وبحيث يتوخي المحاضر- الدكتور أحمد رزق – وهو استاذ اجيال نكن له كل الاحترام والتقدير،كان يجب ان يتوخى الاشارة إلى مصدره تحريا للموضوعية والوضوح حتى لا تختلط الحقائق العملية بالاستنتاجات الذاتية والأفكار وربما الخيال العلمي وتحلية الخطاب.
وكنت أتوقع أن يقول كان “يفترض ” أن يتم التعرف على جثمان الامام الهادي عبر الطب الشرعي او طب الأسنان الشرعي، رغم أن هذا الافتراض لا علاقة له بالعلم والطب العدلي بل يناقض المشروعية في الاقتباس، لان الاقتباس المشروع كما عرفناه لا يستخدم (كان يجب) بل يكون ضمن الحدود القانونية المسموح بها في مناهج البحث العلمي المعروفة.
صحيح كما اوردت الكاتبة ان الامام الشهيد الهادي المهدي وصاحبيه سيف الدين الناجي والعمدة محمد احمد عمر تم اغتيالهما غدراً وغيلة من نظام السفاح جعفر نميري ودفنوا في مكان “مجهول “. ولكن بالنسبة للبعض ليس “مجهولا ” بالمطلق كما سنوضح.
والصحيح أن القتلة الصغار عندما ادلوا باعتراف قضائي واقروا امام القاضي المستقل في نظام ديمقراطي وقالوا بارتكاب جرائمهم. فان الأمر صار محسوما كجريمة اغتيال سياسي. ولا تحتاج لأدلة اخرى. وصحيح أن القاتل الذي امر بقتل الشهداء ظل في الخارج. وعندما عاد إلى البلاد في زمن الانقاذ كانت عودته باهته وقد فقد الذاكرة تقريباً، كما دلّلت المقابلة التلفزيونية التي اجراها المذيع (بيلو) ، ومع ذلك خرجنا في مظاهرة مشهودة تم تخذيلها من البعض وطالبنا بمحاكمته تأكيداً لمعاني عدم الافلات من العقاب.
والشاهد أن مكان القبور وموقع جثامين الشهداء كانت معروفة منذ بعض الوقت. ولذلك قصة معروفة. وتؤكد حقيقة أن الله يتولى الصالحين وأن القاتل لن ينجو بفعله مهما يفعل ومهما يتخفى. ومهما راهن على معادلة خلود السلطة الزمنية. فمن حكم الله أن يكون المطارِد طريداً وقد يحدث العكس. وفي كتابي مجازر الجزيرة ابا وود نوباوي تفصيل وتاكيد لهذه المعاني ولمعاني الهجرة في الاسلام كسنة مؤكدة واحياناً فرض عين باستصحاب السيرة النبوية اذ أن النبي صلى الله عليه وسلم هاجر هو وأبوبكر وفيما بعد أصحابه خفية ما وسعهم ذلك، ولكن عندما حضرت ساعة المواجهة لم يتوانوا بل كانوا مثالاً للصمود والبسالة والركوز والثبات والتضحية. وهكذا استشهد الامام الهادي والشهيد سيف الدين الناجي الذي كان يردد الله اكبر ولله الحمد بينما القاتل الجبان ويدعى بامسيكة يفرغ رصاصه في صدره. وكذلك الحال مع الخال رحمهم الله تعالى وسلام عليهم في الخالدين ويوم يبعثون احياء.
وعود على بدء بشان قصة معرفتنا بمكان المقبرة والجثامين. فقد تمت من الحبيب المرحوم الطيب محمد الطيب صاحب برنامج “صور شعبية” وقد كان الطيب في جولة لتسجيل حلقة لبرنامجه التلفزيوني الشهير في مناطق الانقسنا ونزل الطيب محمد الطيب رحمه الله ضيفا في بيت العمدة في مكان قرب قرية أونسه وهو من كبار الأنصار وكان يعرف أن الطيب مثله. وبعد الترحم على روح الحبيب الامام الهادي وصاحبيه، جاء العمدة في منتصف الليل وقال للمرحوم الطيب محمد الطيب عايزك في مشوار إلى خارج البيت. وفي الطريق أسر العمدة للحبيب المرحوم الطيب محمد الطيب بان هناك ثلاثة مقابر جديدة يعتقد العمدة جازما أنها للامام الهادي وصاحبيه. واضاف ان هذا المكان ليس مقبرة وأن المقابر جديدة ودفنت بالقرب من خور مياه عن عمد لجرفها في موسم الأمطار ومحو الجريمة. واتفقا بعد صلاة الفجر ان يذهبا سوياً إلى مكان المقابر الثلاثة. وبعد التاكد تقرر أن يقوم العمدة وضع علامات وقال للمرحوم الطيب انه سيزرع أشجار من نوع معين حول المقابر حتى لا تتأثر بانجراف التربة وهذا ما تم بالفعل. وأسر الأستاذ الطيب محمد الطيب المعلومة في نفسه ، لحساسية الامر والتضييق الامني المعروف في وقتها. ولاحقا تطابقت الرواية والمكان مع اعترافات المتهمين في القضية.
وفي الديمقراطية الثالثة كان طبيب الامام الهادي وصديقه ووزير الصحة في الديمقراطية الثانية الدكتور عبدالحميد صالح موجودا ضمن اللجنة التي كلفت باعادة دفن الجثامين الطاهرة. وعندما. نبشها تعرف الدكتور عبد الحميد صالح على جثمان الامام الشهيد الهادي المهدي طيب الله ثراه وذكراه، وبالتالي لم تكن ثمة حاجة للطب الشرعي او لطب اسنان شرعي فستكون تأكيد المؤكد. وبالتالي ما أورده الدكتور أحمد رزق لا أساس له من الصحة وربما اورد ما قال من باب النقل الخاطئ او بحسن نية. وارجو ان يصحح المعلومة لطلابه . وشخصياً انفي حديثه من باب مشاركتي في اجراءات نقل جثمان الامام الشهيد الهادي المهدي وصاحبيه.
اما بالنسبة لتحليل الكاتبة منى ابو زيد بشان “الاعتقاد” بعودة الامام الهادي المهدي فهذا امر شرحته مراراً وتكراراً في مقابلات تلفزيونية آخرها في قناة الخرطوم، ووضحت ملابسات هذا الاعتقاد في مقالات صحفية. واضيف مرة أخرى بان موقف اخي الأكبر الحبيب ولي الدين الهادي المهدي قديم وأصيل. فهو طالب بالاجراء الطبي العدلي الروتيني في حينه وقبل دفن الجثمان في القبة وذلك لقطع الشك باليقين. ولكن البعض استغل لحظة العواطف الجياشة واستعجل الأمر بدفن الجثمان في قبة الامام المهدي. ومن هنا تعمقت الشكوك عند بعض محبي الامام الهادي المهدي وتساءلوا لماذا لم يتم السماح للطب الشرعي ان يقوم بالفحوص الطبية وقطع الشك باليقين. ولماذا كان قادة الجبهة الوطنية المعارضة تنكر استشهاد الامام الهادي عليه السلام والرضوان واليوم تتنصل من مواقفها السابقة. وفي الحقيقة “لو” كان تم ذلك الاجراء الطبي والشرعي لما حدث جدل. وربما ما احتجنا للرد على المحاضر او المقال.
والشاهد أن هذه الواقعة ترد على “استنتاج ” الدكتور أحمد رزق بقدرما تنفيه وانه ليس له نصيب من صحة.
يقول سادتنا الفقهاء “ألا على مثل عين الشمس فاشهد .” ويقولون ايضا : “إن ناقل الكفر ليس بكافر ” ورغم ذلك إن للقراء سلطة على الكاتبة/ الكاتب ومنها تصحيح مضمون ما كتبتْ أو كتب. ولدينا في كيان الأنصار بعض حساسية في لي عنق الحقيقة، ولدينا حساسية اعلى بتحريف وقائع التاريخ وخاصة تاريخنا الوطني والمعاصر القريب. (لا اقصد هنا الدكتور احمد رزق) .. اقصد اعداء المهدية فقد تم دائما التصرف من جانبهم في وقائع تاريخية وطنية بعينها لرسم وتقديم صورة مغايرة للماضي القريب واحياناً للواقع السياسي المعاش. وهناك مجموعات نشطت وانشئت حسابات في الوسائط لتشويه التاريخ الوطني. وهناك اجترار لكتب الدعاية لغزو السودان في تلك الحسابات . ولابد من السماح بالرد ، وهو يأتي في هذا السياق. وهناك محاولات للتحكم في الوقائع التاريخية التي تم رسمها بعناية ضمن مؤثرات عديدة، تغلب عليها الذاتية واللاموضوعية. والسيدة الكاتبة نقلت رواية ولا تثريب عليها والرد من باب تصويب الوقائع التاريخية ليس إلا.
مقال الصحفية منى ابوزيد
.
.
*صحيفة الكرامة – منى أبوزيد*
*هناك فرق – الحل بالأسنان ..!*
*”الموت ليس قضية الميت، إنه قضية الباقين”.. غسان كنفاني..!*
في أواخر سنوات حكم الإنقاذ – أي في سودان ما قبل قيام الثورة واندلاع الحرب – نظمت كلية طب وجراحة الأسنان بالجامعة الوطنية محاضرة قيمة للدكتور أحمد رزق، كان موضوعها الرئيس هو” طب الأسنان العدلي”..!
السؤال المفتاحي الرئيس كان بشأن الدليل العلمي الدامغ الذي حسم مسألة عودة الإمام الهادي المهدي التي ما يزال يؤمن بها بعض الأنصار، والدليل العلمي الدامغ الذي حسم أيضاً مسألة التشكيك في موت الزعيم النازي أدولف هتلر التي تبناها بعض الروس إبان الحرب العالمية الثانية ..!
الإجابة – التي تلخص مضمون المحاضرة – أكدت أن الخبر العلمي اليقين كان يقبع في الأسنان. فالإمام الهادي المهدي الذي تم اغتياله في منطقة الحدود بالقرب من مدينة الكرمك مطلع سبعينيات القرن الماضي – الذي لم يعترف النظام العسكري آنذاك بقتله، ولم والذي لم يُعرف مكان دفنه قبل النصف الثاني من الثمانينيات – أكدت تقارير طب الأسنان العدلي تطابق أسنان رفاته مع صور أسنانه المحفوظة في ملفات طبيبه المعالج، وبناء على ذلك تم نقل رفاته في موكب مهيب إلى قبة الإمام المهدي بأم درمان ..!
والزعيم النازي أدولف هتلر الذي كان البعض يشككون في رواية انتحاره، تم حسم أمر وفاته من خلال اختبارات الحمض النووي على أسنانه أيضاً، وكذلك كانت الحال مع جثتي راجيف غاندي رئيس ورزاء الهند الأسبق، ومحمد ضياء الحق رئيس باكستان الأسبق، الذين تناثرت أشلاء كل منهما إثر انفجار قنبلة ..!
أسنان الجثث لا تفنى إذن، وطب الأسنان العدلي يستثمر ذلك البقاء ويستخرج من تلك البقايا أدلة حاسمة ضد الفناء، فيكشف غموض الجرائم ويُعرِّف بهوية الجثث في حال الكوارث والحروب، ويشد من أزر علم الآثار بتحديد عمر وهوية رفاة ومومياءات الحضارات البائدة ..!
وعن طريق تقارير طب الأسنان العدلي يتم إثبات أو نفي هوية المفقودين، ويتم الفصل في قضايا الميراث ومصائر الزيجات، ويتم حفظ الحقوق القانونية للأحياء، ويتم حفظ كرامة الميت الذي يتمكن ذووه من دفن جثته أو رفاته على النحو الذي يليق بعقيدته الدينية. فضلاً عن الكشف عن هوية المعتدين في حوادث الإغتصاب التي يحل غموضها تقرير بشأن “عضة” نتجت عن مقاومة الضحية فكانت سبباً في اكتشاف القاتل ..!
أكثر من خمسين بالمائة من ضحايا إعصار تسونامي تم اكتشاف هويتهم عن طريق الأسنان، وأكثر من خمسين بالمائة من ضحايا حادثة تفجير برج التجارة العالمي تم اكتشاف هويتهم عن طريق الأسنان، ولم يحدث أي خطأ علمي أو فني ..!
قبيل اندلاع هذه الحرب كان بعض أعضاء الحرية والتغيير – تقدم لاحقاً – يقولون إن مشكلات العلاقة بين الجيش والدعم السريع يجب أن تحب باللسان وليس بالأسنان، ولكنهم بعد اندلاعها ألجموا اللسان وأعملوا الأسنان..!
انتهاكات ومجازر المليشيا خلفت وراءها جثثاً مجهولة وقبوراً جماعية ومدافن مؤقتة قد لا يتم التعرف على هوية أصحابها أبداً، وقد يحدث ذلك – بعد مرور سنوات – عن طريق فحص الأسنان..!
أما اليوم فإن انقطاع الأخبار وطول الغياب ما يزال هو الوجه الآخر لفكرة الموت، في الوقت الذي ما يزال بعض حلفاء المليشيا – في تقدم – يباركون فيه جرائمها سراً، بينما يحدثون الناس جهراً عن الحل باللسان والحل بالأسنان..!