أبرز المواضيعأخر الأخبار

اماني الطويل : هل يتخلى العالم عن السودان؟

حين نبحث في التاريخ القريب عن إجابة واضحة لسؤال: هل يمكن أن يتخلى العالم عن دولة منهارة؟ لا نجد نموذجاً أكثر صدمة ووضوحاً من النموذج الصومالي. ففي بداية التسعينيات، ومع تفكك الدولة وتناحر أمراء الحرب، فشلت مبادرات الأمم المتحدة والولايات المتحدة، ليقرر العالم إدارة ظهره للصومال قرابة عقدين، تاركاً البلاد للفوضى والمجاعات والقرصنة والجماعات الراديكالية. هذا الدرس المرعب يطل اليوم على السودان بصورة متزايدة، وسط مؤشرات تقول إن الأزمة السودانية تتحول تدريجياً من ملف يتطلب الحل إلى عبء يفضّل المجتمع الدولي إدارته دون تحمّله.

فالعالم منشغل بأزمات الطاقة والحروب الكبرى في أوروبا والشرق الأوسط، وبصراعات القوى العظمى، بينما يتراجع السودان في سلم الأولويات الدولية، ويتحوّل إلى ساحة مواجهات صفرية وتضليل سياسي وتحالفات انتهازية، ما يجعل النسيان الدولي احتمالاً قائماً. غير أن تحميل المجتمع الدولي وحده مسؤولية هذا الانكفاء يغفل حقيقة أن المعادلة السودانية نتاج تلاقح بين قصور دولي وإقليمي، وعجز داخلي تقوده نخب سياسية وعسكرية أدمنت السير في طرقات الانسداد التاريخي.

المقاربة الأميركية: إدارة أزمة بلا رغبة في الحسم

السياسة الأميركية تجاه السودان تعاني انفصاماً واضحاً. فمن جهة، هناك ضغوط إنسانية وحقوقية داخل الكونغرس تطالب بوقف الانتهاكات وضمان تدفق المساعدات. ومن جهة أخرى، تخضع الرؤية الاستراتيجية لمنطق الأولويات الدولية، إذ تنظر واشنطن إلى السودان كساحة استقطاب خطرة في ظل التنافس مع الصين في أفريقيا ومراقبة التحركات الروسية عبر بدائل “فاغنر” في البحر الأحمر.

لذلك تمارس الولايات المتحدة انكفاءً دبلوماسياً حذراً، مكتفية بالعقوبات ومسارات تفاوضية متقطعة مثل جنيف وجدة، دون رغبة في ممارسة ضغوط خشنة تغيّر موازين القوى أو تفرض حلاً سياسياً شاملاً. هذا السلوك يعكس محاولة لتجنب الغرق في المستنقع السوداني مع إبقاء خطوط اتصال تمنع سقوط البلاد في يد قوى منافسة.

 

 

المقاربة الأوروبية: قلق إنساني مغلف بتخلٍ عملي

أما أوروبا فتتحكم في رؤيتها هواجس أمنية مباشرة، إذ يمثل السودان دولة عبور رئيسة للهجرة غير الشرعية نحو المتوسط. ومع تجاوز أعداد النازحين واللاجئين حاجز 14 مليون شخص، تخشى أوروبا انفجاراً بشرياً غير مسبوق يمتد إلى حدودها، إضافة إلى مخاوف من تحول السودان إلى ملاذ للجماعات المتطرفة في الساحل والقرن الأفريقي. ومع ذلك، يظل الدعم الأوروبي محصوراً في المؤتمرات الإنسانية والإغاثة، دون بلورة مبادرة سياسية موحدة وقوية، ما يجعل الموقف الأوروبي أقرب إلى تخلٍ عملي مغلف بقلق إنساني.

 

المقاربة الأفريقية: عجز يترجم تخلياً قسرياً

على الصعيد الأفريقي، تبدو المقاربة عاجزة عن إنقاذ السودان، العضو المؤسس والجسر بين العالم العربي وأفريقيا. فقرارات مجلس السلم والأمن الأفريقي تظل حبراً على ورق لافتقارها إلى آليات التنفيذ، بينما تعاني المنظومة الأفريقية انقسامات داخلية وعجزاً مالياً وسياسياً يمنعها من التدخل الفاعل. هذا العجز يترجم تخلياً قسرياً تفرضه قلة الحيلة والإمكانات.

انتحار التوافق في أديس أبابا

غير أن جذور الأزمة الحقيقية تقبع في الداخل السوداني. فالنخب السياسية والعسكرية هي من قدمت صك التخلي عن البلاد عبر عجزها عن إنتاج الحد الأدنى من التوافق الوطني. ويتجلى ذلك في انهيار مؤتمر الآلية الخماسية في أديس أبابا، الذي كان يعوّل عليه كطوق نجاة. فشل هذا المسار لم يكن تعثراً دبلوماسياً عادياً، بل فضيحة سياسية كاملة، إذ تمسكت القوى السودانية بالشروط الإقصائية وتنافست على شرعيات متوهمة، بينما قاطعت تكتلات مدنية المؤتمر بحجج شكلية، وتمترست الأطراف العسكرية خلف لغة السلاح. هذا المشهد بعث برسالة بالغة السوء للمجتمع الدولي مفادها أن السودانيين غير مستعدين لإنقاذ بلادهم.

هذا الفشل يمنح القوى الدولية الذريعة المثالية للانسحاب، ويعزز فرضية “النسيان الدولي”، خصوصاً مع تصاعد أرقام الكارثة الإنسانية من نزوح وجوع وانهيار الخدمات الصحية، ما يجعل السودان يبدو كأزمة تتجاوز قدرة المجتمع الدولي على الاحتواء التقليدي.

الدرس الصومالي يعود من جديد

الدرس الصومالي المنسي يطل اليوم على السودان. فالعالم قد يكتفي بدور المتفرج الذكي: قوافل إغاثية محدودة، مراقبة للبحر الأحمر والحدود، وترك الداخل يغرق في حرب استنزاف طويلة بين إقطاعيات عسكرية وجهوية. ومع ترسخ جغرافيا السيطرة الحالية، يتجه السودان نحو تقسيم واقعي: الجيش يسيطر على الشمال والشرق والنيل الأزرق و سنار، بينما تسيطر الدعم السريع على معظم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان.

وهكذا، فإن تخلي العالم عن السودان ليس جهلاً بما يحدث، بل هو تخلٍ مدفوع بيأس من نخب عاجزة وحسابات كلفة سياسية وعسكرية معقدة. التاريخ يعلّم أن إدارة الظهر للدول المنهارة، كما حدث في الصومال، تحولها إلى قنابل موقوتة. والانهيار السوداني لن يبقى داخل حدوده، بل سيكون زلزالاً جيوسياسياً يمتد إلى العواصم التي تظن اليوم أنها تملك ترف التخلي والنسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى