
في الخرطوم ثلاث حكومات، وكل حكومة لا تعترف بالأخرى. حكومة يرأسها مجلس السيادة، يتجولون بها في أم درمان، ويشربون بها العرديب وقهوة بورتسودان. وتجاورها حكومة أخرى برئاسة مجلس الوزراء، وهي صورية، يُصرّحون بها في الإعلام، ويتجولون بها ما بين لندن وجنيف. ثم حكومة ثالثة ترأسها مراكز قوى خفية، وهي التي تفعل في الناس والبلد ما تشاء..!!
:: على سبيل المثال، فالحكومة التي عيّنت السفير إدريس محمد علي وكيلاً لوزارة الخارجية تختلف تمامًا عن الحكومة التي نفت التعيين واتهمت وسائل الإعلام بالكذب والتضليل، وكلتا الحكومتين تختلفان تمامًا عن الحكومة الثالثة التي وزعت خطاب التعيين على وسائل الإعلام ومواقع التواصل، لتحرج الحكومة النافية، وقد نجحت في ذلك..!!
:: ومثال آخر، فالحكومة التي فحصت أوضاع شركة العسجد للحلول الذكية، ثم منحتها ترخيص مشغل المحول المالي بعد استيفائها معايير نيل هذا الترخيص، تختلف تمامًا عن الحكومة التي ألغت الترخيص، وكلتاهما تختلفان عن الحكومة الثالثة التي استدعت عسجد الكاظم عبر الأجهزة الأمنية، لا عبر لجان بنك السودان..!!
:: تأملوا.. بالنهار احتفلوا بترخيص الشركة حتى الثمالة، وشرّفهم بالحضور ممثل مجلس السيادة شخصيًا، ورقص فيه بنك السودان وأجهزة أخرى حتى الخلاعة، وتبادلوا كلمات المدح في الترخيص، وتباروا، وقالوا في الشركة وأفكارها غزلًا أجود وأعذب مما قاله جميل وعنترة وابن الملوح في حبيباتهم. ومع أول المساء استدعوا سيدة الترخيص، ثم اعتذروا لها..!!
: تأملوا مرة أخرى.. احتفلوا بشركة العسجد، ثم استدعوا عسجد، وامتدت فترة الاستدعاء من بدايات المساء حتى منتصف الليل. وكانت التهمة هي الترخيص المحتفى به نهارًا جهارًا، والمتهمة هي ذات السيدة المحتفى بها نهارًا جهارًا، ثم اعتذروا لها عن الاستدعاء. وهذا لا يحدث ما لم تكن بالدولة ثلاث حكومات أو أكثر، وكل حكومة لا تعترف بالأخريات..!!
:: وقبل كشف دهاليز ترخيص المحول المالي لشركة العسجد، في الخاطر زاوية كتبتها على خلفية إقالة نائب محافظ بنك السودان النور عجبنا، بتاريخ سبتمبر 2025، وكانت بعنوان: (الجنجويد فكرة)، ورد فيها بالنص: (يعلم الدكتور جبريل إبراهيم مخاطر عدم وجود منصة رقمية موحدة ورسمية في إدارة الكتلة النقدية، فالسادة يتجولون ولا ينقلون التجارب)..
:: وبالزاوية أيضًا: («إنستا باي» تجربة مصرية في توحيد منصة الدفع الإلكتروني، ولكينيا أيضًا تجربة منصة «إم-بيسا»، وهي خدمة رائدة للتحويلات المالية… وليست هناك دولة، غير السودان، تضع كل بيضها في سلة واحدة يمتلكها أفراد، وكأن الأمن الاقتصادي مشغول بالسياحة وحرس الصيد، وليس بحماية اقتصاد البلد من مثل هذه المخاطر)..
:: هكذا موقفي من المحولات المالية ومنصاتها؛ إذ يجب أن يكون بالبلد محول مالي واحد فقط، مملوكًا لبنك السودان. موقف واضح وموثق منذ سبتمبر 2025، ولم تكن الناس تعرف آنذاك عسجد وفضل وأماني وحسون وغيرهم. ولكن سياسة الأمر الواقع جاءت ضد قناعاتي، بحيث يمنح بنك السودان تراخيص المحولات والمنصات للبنوك والشركات الخاصة..!! سياسة
:: وبالمناسبة، فإن شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية مملوكة للدولة، ولها محوّل مالي، لكنها عاجزة عن توحيد منصة التحويلات، كما في التجربة المصرية وغيرها من الدول ذات السلطة السيادية على التحويلات المالية. ولذلك يسمح بنك السودان للشركات والبنوك الخاصة بامتلاك محولات ومنصات مالية خاصة بها، وذلك بموجب تراخيص كتلك التي مُنحت لشركة العسجد..!!
:: نعم، لأسباب اقتصادية وأخرى أمنية، كان يجب احتكار المحول المالي لصالح الدولة السودانية، ولكن بنك السودان، بفشله، يمنح الشركات الخاصة تراخيص المحولات المالية، وله في هذا المنح قانون ولوائح ومعايير. والآن، في السودان، تمتلك – بخلاف شركة العسجد – تسع شركات خاصة تراخيص محولات مالية ومنصات دفع عبر الهاتف المحمول..!!
:: أكرر.. هناك تسع شركات خاصة، غير شركة العسجد، نالت تراخيص منصات الدفع عبر الهاتف المحمول والمحولات المالية، ولن أزحم الزاوية بأسمائها، فهي منشورة بموقع بنك السودان، وبالتأكيد كلها مستوفية لقانون ولوائح ومعايير الرخصة، أي إنها تستحقها. ليبقى السؤال المهم: لماذا لم تواجه تراخيص تلك الشركات التسع ولو بربع هذا الصخب؟؟
:: المهم.. في أبريل 2025 تقدمت شركة العسجد إلى بنك السودان بطلب الترخيص، وبعد فحصها أمنيًا وإداريًا وماليًا سُلّمت الترخيص المبدئي في يوليو 2025. ثم أُخضعت للقانون واللوائح، وبعد أن دفعت الرسوم ومبلغ الضمان، ونفذت كل مطلوبات القانون واللوائح، نالت الترخيص النهائي في أبريل 2026. وهذا ما حدث للشركات التسع، ولكن بلا صخب..!!
:: إن كانوا يصخبون لفرض سلطة الدولة السيادية على المحولات والتطبيقات المالية، بحيث لا تخترقها شركة العسجد، فالتبرير ساذج؛ لأن وضع المحولات والتطبيقات حاليًا خارج سلطة الدولة، بل تحت سيطرة شركات خاصة، والأدهى أن من بينها شركات لدولة العدو نصيب فيها. وهذه المعلومة، المعروفة للقاصي والداني، يجب أن تُكمم الأفواه التي تتباكى على السلطة السيادية..!!
:: وإن كانوا يصخبون بأن شركة العسجد شركة جنجويد، وأن عسجد من ذوي قربى حميدتي، وأن زوجها، أيمن أبوجيبين، مُلثم بالكدمول وسائق تاتشر مع برشم وقُجة في ضواحي الضعين، فإن هذا التبرير أغبى من ذاك المتباكي على السلطة السيادية؛ لأن الفحص الأمني من أهم مراحل تأسيس الشركات ومنح التراخيص، بما فيها شركة العسجد وترخيصها..!!
:: وما لم تكن وظيفة رجال الأمن الاقتصادي بمسجل الشركات وبنك السودان هي أكل البوش ونوم القيلولة، فيجب أن يكونوا قد أخضعوا شركة العسجد ومجلس إدارتها للفحص الأمني، ليتبينوا أنهم جنجويد، فيرفضوا التسجيل قبل الترخيص، وهذا لم يحدث. بل سجلوا الشركة بعد فحص أمني، ثم منحوها ترخيص المحول المالي بعد فحص أمني آخر..!!
:: وطالما أنهم فحصوا الشركة أمنيًا في مرحلتي التسجيل ومنح الترخيص، ثم احتفلوا معها بالترخيص، فإن الحديث بأنها شركة جنجويد يصبح نوعًا من غناء القونات؛ أي طروب وراقص، لكنه مبتذل وكلام فارغ. والأفضل أن تكف الأفواه عن هذا الاتهام الساذج، أو يُساق الذين فحصوا الشركة ومنحوها الترخيص ورقصوا معها إلى السجون، باعتبارهم متعاونين مع الجنجويد..!!
:: وعليه، إن كان هذا الصخب لوجه الله ثم الوطن، فطالبوا بإلغاء تراخيص محولات وتطبيقات كل الشركات الخاصة، حتى يبسط بنك السودان سلطته السيادية عبر محوله المالي، ثم طالبوا أيضًا بأن يُساق من نلقبهم بالمسؤولين إلى السجون؛ لأنهم أوجدوا ما أسموها شركة الجنجويد من العدم، بالرقص على إيقاع ترخيصها. ولكن لهذا الصخب مآرب أخرى، تعرفها الحكومة الثالثة..!!





