أبرز المواضيعأخر الأخبارمقالات وتقارير صحفية

حكومة ما بتحب النصيحة.. قررت تحاكم القلم !!

اشرف طه يكتب : حكومة ما بتحب النصيحة.. قررت تحاكم القلم !!

هبوط اضطراري | اشرف طه

في حاجة غريبة بتحصل لبعض الحكومات؛ أول ما تتزنق في الأداء، بدل ما تراجع حساباتها، تفتش عن طريقة تسكّت بيها الناس. بدل ما تصلح الغلط، تحاول تمنع الناس من الكلام عن الغلط. وبدل ما تواجه الصحفي بالحجة، تفتح ليهو أبواب المحاكم والعقوبات!

طيب، الحكومة البتخاف من مقال صحفي، وبتنزعج من عمود رأي، وبتتعامل مع النقد كأنو جريمة، عايزة تحكم الناس كيف؟ بالإنجازات، ولا بالصمت؟

المشكلة إنو الصحافة ما مفروض تكون نشرة علاقات عامة للحكومة، ولا شغلها تصفق للقرارات وتغطي على الإخفاقات. الصحافة من حقها تسأل، وتنتقد، وتكشف التناقضات، وتقول للمسؤول: إنت أخطأت هنا، وفشلت هنا، والمواطن دفع ثمن أخطائك.

وإذا كانت الحكومة واثقة من شغلها، فلتواجه الصحافة بالمعلومات والحقائق، مش بالتضييق والعقوبات.

والأخطر من ده كلو، إنو السودان، في الظروف الصعبة البمر بيها، ما محتاج مساحة أقل للكلام؛ محتاج مساحة أكبر للمحاسبة والنقد والنصح.

عشان كده، أنا بأعلن تأييدي الكامل لموقف نقابة الصحفيين السودانيين الرافض للتعديلات القانونية المتعلقة بالنشر الإلكتروني والإعلامي، والآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية، وفقاً لما ورد في مخرجات بيان النقابة.

التحفظ الأساسي هنا ما على مكافحة الجرائم المعلوماتية في ذاتها؛ فأي دولة من حقها تحارب الجرائم وفق قانون واضح وعادل. لكن السؤال المهم: هل تُستخدم القوانين لحماية الناس، أم يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتخويف الصحفيين وملاحقة أصحاب الرأي؟

النقابة حذرت من توسيع نطاق التجريم في المادة 51 من القانون الجنائي لسنة 1991 ليشمل النشر الإلكتروني والإعلامي، ومن المخاطر التي قد تترتب على ذلك، بما فيها العقوبات المشددة التي أشارت إليها في بيانها. كما رفضت تشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية بصلاحيات قد تمس حرية الإعلام والتعبير، وطالبت بإلغاء التعديلات والقرار المتعلق بتشكيل الآلية، وحماية استقلال المؤسسات الصحفية وعدم ملاحقة الصحفيين بسبب عملهم المهني.

وهنا لازم نقيف شوية شان نفهم !!

لما الصحفي يكتب وهو بفكر في العقوبة قبل ما يفكر في الحقيقة، ولما المحرر يحذف معلومة خوفاً من الملاحقة، ولما المواطن يتردد في نقل شكواه لأنه خايف من عواقب الكلام، فالمشكلة ما بتكون في الصحفي براهو؛ المشكلة إنو المجتمع كله ممكن يخسر حقه في المعرفة.

والرقابة الذاتية مرات أخطر من الرقابة المباشرة؛ لأنو الرقيب في الحالة دي ما محتاج يطرق الباب، الصحفي نفسه بقى يحذف ويشطب ويفكر قبل ما ينشر.

بعدين كيف الحكومة حتصلح أخطاءها إذا كانت بتحاصر الناس البينبهوها للأخطاء؟

أنا شايف إنو التمسك بالحكم، رغم الإخفاقات والانتقادات، ما بيدي أي سلطة حق تضييق مساحة الرأي العام. والسلطة التي تريد احترام الناس لازم تتحمل مسؤولية قراراتها، وتقبل النقد، وترد على الاتهامات بالحجة والقانون، لا بتهديد الأقلام.

وحتى المقارنة مع نظام الإنقاذ، التي يرددها كثيرون عند الحديث عن التضييق الحالي، ما مفروض تكون مبرراً لتبرير أي انتهاك جديد. حقوق الناس ما بتتقاس بمن كان أسوأ من الآخر؛ حرية الصحافة حق أصيل، وأي تراجع عنها يستحق الرفض والمقاومة المهنية والقانونية رغم انو الحاصل اسي اخير منو زمن الانقاذ !!

نحن ما بنطالب الصحفي يكون فوق القانون، ولا بنطالب الإعلام ينشر الأكاذيب أو يتعدى على حقوق الناس. نحن بنطالب بقانون عادل، وإجراءات واضحة، وضمانات تمنع استخدام الاتهامات الفضفاضة لتصفية الحسابات أو إسكات النقد المشروع.

ونقابة الصحفيين السودانيين، بتحركها السريع ورفضها لهذه التعديلات، بتؤدي دوراً مهماً في الدفاع عن المهنة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وواجبنا كصحفيين إننا ندعم كل موقف يحمي استقلال الصحافة، ويمنع تحويل القلم إلى مخاطرة جنائية لمجرد اختلاف الرأي.

يا جماعة الخير، الحكومة البتسير في الطريق الصحيح ما مفروض تخاف من الأقلام، ولا من أعمدة الرأي، ولا من التقارير الصحفية. بالعكس، مفروض تعتبرها فرصة لمعرفة الخلل قبل ما يتفاقم.

فإذا كان القلم بيوجع الحكومة أكثر من الأزمة ذاتها، فالمشكلة في القلم، ولا في الحاجات البكشفها القلم؟

الصحافة ما عدو الدولة، والنقد ما خيانة، والسؤال ما جريمة. وأي سلطة تخلط بين النقد والعداء، وبين المحاسبة والتآمر، بتكون فتحت على نفسها باباً ما بتقدر تقفلو بالقوانين براها.

نحن مع حرية الصحافة، مع حق الناس في المعرفة، ومع محاسبة أي مسؤول على أدائه. ونرفض أن تكون العقوبات المشددة سيفاً مسلطاً على الصحفيين بسبب ما ينشرونه في إطار عملهم المهني.

لأنو البلد البتسكت فيها الأقلام ما بالضرورة تكون مستقرة؛ مرات بتكون بس فقدت القدرة على سماع الحقيقة.

والدوام لله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى