
خاص : سودان لايف
تعود منطقة تيجراي الإثيوبية إلى واجهة المشهد الإقليمي مع تصاعد التوترات والاشتباكات بين أطراف النزاع، في تطور يثير مخاوف من انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022. ولا تتوقف أهمية التطورات عند حدود إثيوبيا، إذ يراقب السودان المشهد عن كثب في ظل احتمال تدفق موجات جديدة من النازحين إلى حدوده الشرقية، بينما يواجه هو الآخر حرباً وأزمة إنسانية ممتدة.
وتكشف التطورات الأخيرة عن هشاشة التسوية التي أوقفت الحرب السابقة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، خاصة مع بقاء ملفات رئيسية دون حسم، من بينها وضع المناطق المتنازع عليها، وترتيبات نزع السلاح، وعودة النازحين، وإعادة بناء المؤسسات والخدمات في الإقليم.
اتفاق السلام أمام اختبار جديد
نقل موقع سودان لايف أن الخلاف بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي لم يتوقف بشكل كامل منذ توقيع اتفاق بريتوريا، رغم توقف الحرب الواسعة. وظلت آليات تنفيذ الاتفاق محل خلاف، مع تبادل الاتهامات بشأن عدم الالتزام ببعض بنوده.
وبحسب المعطيات الواردة، تصاعد الخلاف خلال الأشهر الماضية حول إدارة الإقليم والوضع السياسي للجبهة، إلى جانب قضية المناطق الغربية المتنازع عليها، فضلاً عن ملف نزع سلاح القوات التابعة لتيجراي وعودة السكان الذين أجبرتهم الحرب على النزوح.
ويشير المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم إلى أن الطرفين يحمّل كل منهما الآخر مسؤولية التعثر في تنفيذ الاتفاق، معتبراً أن استمرار المناوشات والخلافات السياسية يمثل مؤشراً مقلقاً على إمكانية انتقال التوتر إلى مواجهة أوسع.
ويضيف أن الملفات العالقة، وعلى رأسها عودة النازحين وإعادة الإعمار واستعادة الخدمات وتحويل الميزانيات، لا تزال تشكل عقبات أمام تثبيت السلام، في وقت أسهمت فيه التحركات السياسية والعسكرية الأخيرة في زيادة مستوى عدم الثقة بين الطرفين.
انقسامات داخل تيجراي
رصد محرر موقع سودان لايف أن أحد أبرز المتغيرات منذ انتهاء الحرب يتمثل في الانقسامات داخل جبهة تحرير شعب تيجراي، وهو ما يرى الصحافي السوداني المتخصص في الشؤون الإفريقية محمد جمعة نوار أنه أثر على تماسك الجبهة وقدرتها العسكرية والسياسية.
وبحسب نوار، فإن الجبهة خرجت من الحرب السابقة وهي تعاني من استنزاف كبير في قدراتها، إلى جانب خلافات داخلية قد تجعل موقفها في أي مواجهة جديدة مختلفاً عن وضعها خلال الحرب السابقة.
ويعني ذلك أن أي تصعيد عسكري جديد لن يكون بالضرورة نسخة من الحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا، بل قد يدخل في حسابات أكثر تعقيداً تتداخل فيها الانقسامات المحلية مع مصالح الحكومة الفيدرالية والأقاليم المجاورة.
السودان في دائرة التأثير
لكن التطور الأكثر حساسية بالنسبة للخرطوم يتمثل في الحدود المشتركة مع إثيوبيا، إذ يمكن لأي توسع في القتال داخل تيجراي أن يفتح الباب أمام موجة نزوح جديدة نحو السودان.
ونقل موقع سودان لايف أن السودان استقبل في أزمات سابقة أعداداً كبيرة من اللاجئين الإثيوبيين عبر ولايتي القضارف وكسلا، إلا أن الظروف الحالية تختلف بصورة كبيرة، في ظل الحرب التي تعصف بالبلاد منذ عام 2023 وتراجع قدرة المؤسسات والخدمات على التعامل مع أعداد إضافية من النازحين واللاجئين.
ويرى محمد جمعة نوار أن اتساع الصراع الإثيوبي قد يفرض ضغوطاً إنسانية وأمنية واقتصادية جديدة على شرق السودان، خصوصاً إذا تجاوزت حركة النزوح حدود إقليم تيجراي ووصلت إلى مناطق أخرى في إثيوبيا.
كما أن استمرار الاضطرابات على الحدود قد يخلق تحديات إضافية أمام ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر، وهي مناطق تحمل أصلاً أعباء أمنية وإنسانية واقتصادية كبيرة.
المناطق المتنازع عليها.. العقدة الأصعب
وتبقى قضية غرب تيجراي والمناطق المتنازع عليها مع إقليم أمهرا واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في الأزمة.
فأي تسوية تمنح تيجراي سيطرة أكبر على هذه المناطق قد تواجه رفضاً من قوى داخل أمهرا، بينما يمكن أن يؤدي استمرار الوضع الحالي إلى زيادة الضغوط داخل تيجراي وإبقاء أسباب التوتر قائمة.
ويرى مراقبون أن الحكومة الفيدرالية الإثيوبية تواجه اختباراً صعباً في إدارة هذا الملف، لأن أي انحياز واضح لأحد الطرفين يمكن أن يفتح جبهة سياسية أو عسكرية جديدة.
ماذا يعني ذلك للمرحلة القادمة؟
رصد محرر موقع سودان لايف أن التطورات في تيجراي لا تعني بالضرورة العودة الفورية إلى حرب شاملة، لكنها تكشف هشاشة اتفاق السلام والحاجة إلى معالجة الملفات التي ظلت معلقة منذ انتهاء الحرب.
وفي حال تمكنت الأطراف من احتواء التصعيد والعودة إلى طاولة التفاوض، فقد يشكل ذلك فرصة لإعادة تفعيل اتفاق بريتوريا ومعالجة القضايا العالقة تدريجياً.
أما إذا استمرت الاشتباكات واتسعت رقعة المواجهة، فإن التداعيات قد تتجاوز الداخل الإثيوبي، لتصل إلى السودان عبر موجات نزوح جديدة وضغوط أمنية وإنسانية على الحدود الشرقية.
وبالنسبة إلى السودان، فإن أي تصعيد طويل في الجارة إثيوبيا سيأتي في توقيت بالغ الحساسية، ما يجعل استقرار الحدود الشرقية واحتواء التداعيات الإنسانية والأمنية من أبرز الملفات التي قد تفرض نفسها على المشهد السياسي في المرحلة القادمة.





