
خاص : سودان لايف
يفتح ملف صفقة تطوير ميناء أبو عمامة والمنطقة الاقتصادية شمال بورتسودان الباب أمام أسئلة أوسع حول طبيعة التحالفات الاستثمارية التي تشكلت حول بعض أكبر الأصول والمشروعات السودانية خلال السنوات الأخيرة، ودور مجموعة دال وشركة إنفيكتوس وشركاء إماراتيين في هذه الترتيبات، وما إذا كانت الاعتراضات البيئية والقانونية قد أسهمت في تعطيل المشروع قبل اندلاع الحرب.
وتتداخل في هذا الملف أسماء ومشروعات متعددة، من بينها استثمارات زراعية وفندقية ولوجستية، إلى جانب صفقة أبو عمامة التي بلغت قيمتها المعلنة نحو 6 مليارات دولار. وبينما يرى مؤيدو الاستثمار الخارجي أن مثل هذه المشروعات يمكن أن توفر رأس المال والخبرات اللازمة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني، تثير تفاصيل أخرى تساؤلات حول مدة الامتياز، واستخدام الأراضي، وحماية الموارد الطبيعية، ومدى الحفاظ على المصالح الوطنية.
من ملفات لجنة إزالة التمكين إلى مرحلة جديدة
نقل موقع سودان لايف أن العلاقة بين مجموعة دال وبعض مؤسسات الدولة كانت قد أثارت نقاشاً في فترة لجنة إزالة التمكين، خصوصاً بشأن ملفات مرتبطة بأراضٍ واستثمارات وميدان الجولف في الخرطوم.
وبحسب الرواية الواردة في المادة الأصلية، شهد أحد تلك الملفات تحركاً ميدانياً من قوة أمنية قبل أن تتوقف العملية بعد تدخل من مستويات عليا في الدولة. غير أن هذه الرواية تحتاج إلى توثيق مستقل يحدد طبيعة التدخل والجهة التي أصدرته والأسباب الفعلية وراء إيقاف الإجراء.
وتشير المادة كذلك إلى وجود خلافات داخل لجنة إزالة التمكين بشأن التعامل مع بعض ملفات مجموعة دال، مع تركيز أكبر لاحقاً على ملفات شركات ورجال أعمال آخرين. وهذه النقطة، في حال توفر المستندات المؤيدة لها، تستحق تحقيقاً مستقلاً حول آليات اتخاذ القرار داخل اللجنة في تلك الفترة.
توسع استثماري يتجاوز الخرطوم
مع نهاية عام 2021، اتجهت مجموعة دال إلى مشروعات استثمارية جديدة، بينها مشروع متعدد الاستخدامات في منطقة المقرن، بالتعاون مع شركة إماراتية، وفق المعلومات الواردة في المادة.
كما برز اسم المجموعة في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية، إلى جانب شركة إنفيكتوس للاستثمار التي أصبحت لاحقاً إحدى المنصات الرئيسية لأنشطة أسامة داؤود الاستثمارية خارج السودان.
رصد محرر موقع سودان لايف أن توسع إنفيكتوس لم يكن مقتصراً على السوق السودانية، إذ أصبحت الشركة مرتبطة بشبكة استثمارات دولية في مجالات الزراعة والسلع والخدمات اللوجستية، قبل دخول مستثمرين إماراتيين كبار في هيكل ملكيتها.
وفي ديسمبر 2025، أعلنت الشركة العالمية القابضة «IHC» استثماراً إضافياً في إنفيكتوس بقيمة 420 مليون درهم، لرفع حصتها إلى نحو 40%، وفق البيانات المتعلقة بالصفقة.
أبو عمامة.. نقطة التحول
لكن أكثر حلقات هذا الملف إثارة للجدل كانت صفقة تطوير ميناء أبو عمامة والمنطقة الاقتصادية المحيطة به.
ففي ديسمبر 2022، أُعلن عن اتفاق استثماري بقيمة تقارب 6 مليارات دولار، جمع بين مجموعة دال ومجموعة موانئ أبوظبي وإنفيكتوس، لتطوير الميناء والمنطقة الاقتصادية المرتبطة به.
المشروع كان يفترض أن يمثل تحولاً كبيراً في قطاع الموانئ والاستثمار بالسودان، بالنظر إلى موقع المنطقة على البحر الأحمر وما يمكن أن توفره من فرص في النقل البحري والزراعة والخدمات اللوجستية.
لكن المشروع واجه اعتراضات من جهات سودانية، خصوصاً فيما يتعلق بالآثار البيئية والقانونية وشروط الامتياز.
البيئة في قلب الاعتراضات
وتبرز في هذا السياق مواقف نسبت إلى الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية، د. منى علي محمد أحمد، التي اعترضت على المضي في المشروع قبل استكمال الدراسات البيئية المطلوبة.
وتقول الرواية الواردة في المادة إن الاعتراضات ركزت على حساسية الموقع وقربه من محمية دونقناب، إضافة إلى الآثار المحتملة على الأراضي الزراعية والمراعي والموارد الطبيعية.
وتطرح هذه النقطة سؤالاً أساسياً: هل سبقت دراسة الأثر البيئي والاقتصادي توقيع الاتفاق أم جاءت الاعتراضات في مرحلة لاحقة؟
والإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى الرجوع إلى وثائق المشروع الرسمية، ودراسات الأثر البيئي، ومحاضر اللجنة العليا، وشروط عقد الامتياز، حتى يمكن الفصل بين الوقائع والاستنتاجات السياسية التي صاحبت الصفقة.
88 عاماً.. ماذا كان يعني الامتياز؟
من أبرز النقاط المثيرة للجدل التي أوردتها المادة الحديث عن مدة امتياز تصل إلى 88 عاماً.
رصد محرر موقع سودان لايف أن مدة بهذا الحجم، إن ثبتت في الوثائق النهائية أو الاتفاقات الأولية، تطرح نقاشاً واسعاً حول طبيعة عقود استغلال الأصول الاستراتيجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بميناء ومناطق اقتصادية وأراضٍ ذات أهمية جغرافية.
لكن تقييم مثل هذا الامتياز لا يمكن أن يعتمد على المدة وحدها؛ بل يجب النظر أيضاً إلى ملكية الأصول، ونطاق الأرض المشمولة، ونسبة الدولة من العوائد، والالتزامات الاستثمارية، وحقوق الإنهاء والمراجعة، وآليات حماية البيئة، ونصوص إعادة الأصول للدولة.
ماذا حدث بعد اندلاع الحرب؟
اندلاع الحرب في أبريل 2023 غيّر المشهد بالكامل، وأوقف أو عطل عدداً كبيراً من المشروعات الاقتصادية والاستثمارية في السودان.
وفي حالة أبو عمامة، تقول المادة إن الصفقة أُلغيت لاحقاً، بينما تربط روايتها بين إلغاء المشروع وتصاعد الضغوط على شخصيات اعترضت عليه.
هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى قدر كبير من الحذر التحريري، لأن الانتقال من وجود خلاف حول مشروع استثماري إلى اتهام جهات بالتخطيط للإطاحة بمسؤول أو استهدافه يتطلب أدلة ووثائق مستقلة، ولا يكفي فيه الاستنتاج أو التزامن الزمني.
بين الاستثمار والسيادة
قضية أبو عمامة تكشف في جوهرها معضلة أكبر تواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب: كيف يمكن جذب الاستثمارات الخارجية الضخمة من دون التفريط في الموارد والأراضي والأصول الاستراتيجية؟
فالسودان يحتاج إلى رأس المال والخبرة والتكنولوجيا لإعادة تشغيل قطاعاته الإنتاجية، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى عقود واضحة وشفافة تضمن حقوق الدولة والمجتمعات المحلية وتحمي البيئة وتمنع الاحتكار طويل الأمد للأصول ذات الطبيعة السيادية.
كما أن دخول شركات استثمارية إقليمية في قطاعات الزراعة والموانئ واللوجستيات والاتصالات يجعل من الضروري إخضاع الاتفاقات الكبرى لرقابة مؤسسية وتشريعية واضحة.
الأسئلة التي لم تُجب عنها الصفقة
يبقى ملف أبو عمامة مفتوحاً على مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز مصير المشروع نفسه:
ما هي الصيغة النهائية للعقد الذي كان مطروحاً للتنفيذ؟ وما المساحة الفعلية التي كانت ستدخل ضمن الامتياز؟ وكيف حُددت مدة العقد؟ وما الالتزامات المالية والاستثمارية للطرف الأجنبي؟ وما حصة الدولة السودانية؟
وهل اكتملت دراسات الأثر البيئي قبل إجازة المشروع؟ وما موقف الجهات المختصة من تأثيراته المحتملة على محمية دونقناب والمجتمعات المحلية؟
ثم، ماذا حدث فعلياً للاتفاق بعد اندلاع الحرب؟ وهل انتهى المشروع بصورة نهائية، أم أن بعض ترتيباته الاستثمارية لا تزال قائمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تنقل الملف من مساحة السجال السياسي إلى تحقيق اقتصادي وقانوني موثق، وهو ما يحتاجه السودان في وقت تتجه فيه الأنظار إلى إعادة بناء اقتصاده واستعادة موارده خلال المرحلة القادمة.
وفي ظل استمرار الحرب والتنافس الإقليمي على البحر الأحمر والموارد السودانية، فإن ملف أبو عمامة لن يبقى مجرد صفقة استثمارية متعثرة، بل قد يتحول إلى نموذج مهم لفهم طبيعة العلاقة بين رأس المال الخارجي، والأصول السيادية، والمصالح الوطنية في السودان.





