في لحظة فارقة من الحرب السودانية، وبينما تتصاعد المآسي في مدينة الفاشر، يطرح الصحفي السوداني عثمان ميرغني تساؤلات جوهرية حول جدوى الدمار والدماء، متسائلاً عن الثمن الحقيقي الذي دُفع مقابل معاناة المدنيين، في مقال يعكس عمق الأزمة الوطنية ويدعو إلى إغلاق دفاتر الحرب قبل نهاية العام.
صدارة المعاناة
على مدى أكثر من عام ونصف، تصدرت مدينة الفاشر واجهة الأحداث في السودان، لتتحول إلى رمز للمقاومة والمعاناة في آن واحد. في مقاله، يؤكد عثمان ميرغني أن المدينة سطّرت ملاحم لا تُنسى، سواء على المستوى العسكري أو الشعبي أو الإعلامي، مشيراً إلى أن ما تعرضت له تجاوز حدود الخيال. لم يكن الأمر مقتصراً على الترويع واستهداف المدنيين، بل شمل استخدام الجوع كسلاح ضد سكانها العزل، في مشهد وصفه بأنه مأساوي وغير مسبوق في تاريخ النزاعات السودانية.
سؤال المصير
يتوقف ميرغني عند سؤال جوهري: ما الهدف من كل هذا؟ لماذا الفاشر؟ ويؤكد أن تساؤله لا يتعلق بالحيثيات العسكرية أو السياسية أو المجتمعية، بل بالثمن الباهظ الذي دفعه ملايين المواطنين الذين شُردوا من منازلهم وأعمالهم، وتفرقت أسرهم، وسالت دماء الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ. يتساءل الكاتب عن الغاية من هذا الدمار، وعن المبرر الذي يمكن أن يفسر حجم المعاناة التي لحقت بالمدينة وسكانها.
تجاهل دولي
يشير ميرغني إلى أن الفاشر لم تكن غائبة عن الاهتمام الدولي، فقد أصدر مجلس الأمن قراراً واضحاً لفك الحصار عنها قبل عدة أشهر، ووجّه الأمين العام للأمم المتحدة أكثر من نداء، فيما طالبت عشرات الدول والمنظمات الإنسانية بإنهاء الحصار وحماية المدنيين. ومع ذلك، تجاهلت قوات التمرد هذه الدعوات، واستمرت في قصف المدينة بالمدافع الثقيلة والطائرات المسيّرة، مستهدفة كل ما هو حيوي، حتى عربات النقل البسيطة لم تسلم من الهجمات. هذا الإصرار على التدمير، كما يصفه الكاتب، يثير تساؤلاً جديداً: من أجل ماذا؟
تمدد بلا إنجاز
ينتقل ميرغني إلى استعراض واقع السيطرة العسكرية لقوات التمرد، التي بسطت نفوذها على غالبية ولاية الخرطوم، بما فيها المقار الرئاسية والسيادية والوزارية، ثم تمددت إلى ولايات أخرى مثل الجزيرة وسنار وأطراف النيل الأزرق والنيل الأبيض وبعض مناطق نهر النيل. ويشير إلى أن هذه السيطرة استمرت قرابة عامين، لكن دون أن تحقق أي إنجاز ملموس. بدلاً من ذلك، خلّفت قوائم طويلة من الانتهاكات والقتل والتدمير، شملت البنى التحتية والفوقية، من كابلات الكهرباء إلى محولات المياه والمستشفيات والمدارس والجامعات، وحتى المساجد لم تسلم من التخريب.
حطام الوطن
في تقييمه لحصيلة هذه العمليات، يؤكد ميرغني أن ما تحقق لا يتجاوز حطام الوطن، الذي خلفته قوات التمرد قبل أن تُطرد من تلك الولايات وتنقل المعارك إلى إقليمي دارفور وكردفان. ويشدد على أن تدمير مدينة الفاشر، حتى لو تم تسويتها بالأرض، لن يحقق نصراً، تماماً كما لم تحقق عمليات التدمير السابقة في العاصمة وغيرها من المدن أي سيطرة فعلية أو إمساك بمقاليد الحكم. يرى الكاتب أن هذا المسار لا يقود إلى النصر، بل إلى مزيد من الانهيار الوطني.
دعوة للإنهاء
في ختام مقاله، يوجه ميرغني دعوة صريحة إلى جميع السودانيين للعمل بجدية لإنهاء الحرب واجتثاث جذورها، حتى تكون هذه آخر أحزان الوطن المكلوم. ويؤكد أن من الحكمة أن تُغلق دفاتر الحرب قبل نهاية عام 2025، ليكون العام الجديد بداية جديدة وسعيدة للسودان وأهله. هذه الدعوة، التي تأتي من قلب المعاناة، تعكس رغبة عميقة في الخروج من دوامة العنف، وإعادة بناء وطن أنهكته الحرب والانقسام.
