باحث في الشأن الإفريقي: السودان بين خيارين كلاهما مر

السودان بين خيارين كلاهما مر

قال الدكتور وليد عتلم، الباحث في الشأن الإفريقية، لجريدة المصري اليوم إن السودان بين خيارين كلاهما مر، التقسيم الثاني، أو الحرب الأهلية الشاملة والفوضى، خاصة في ضوء تصاعد وتيرة التعبئة والتعبئة المضادة القبلية والعرقية، فالحروب الداخلية عادة ما تستدعى التدخلات الخارجية، سواء من الفاعلين من الدول، أو الفاعلين الجدد من غير الدول والجماعات المسلحة، أو شركات الأمن على شاكلة فاجنر الروسية، والساحة السودانية وما نشهده من تطور الأوضاع ميدانيا يؤكد ذلك كله.

وأضاف: للمرة الأولى تكون العاصمة السودانية الخرطوم مسرحًا للعمليات والاقتتال الداخلى، أغلب النزاعات الداخلية التي يشهدها السودان منذ استقلاله كانت تدور رحاها في الأطراف والمناطق الريفية، سواء في الجنوب أو دارفور أو شرق السودان، الآن الوضع معكوس، تسيطر قوات الدعم السريع على معظم مناطق العاصمة الخرطوم وأجزاء كبيرة من دارفور، حيث لم يتبق أمام «الدعم السريع» سوى مدينة الفاشر، عاصمة الإقليم وأكبر مدنه، وتضم قاعدة عسكرية جوية رئيسية محاذية للمطار المدنى لتكون دارفور تحت السيطرة الكاملة لقوات الدعم السريع، في المقابل الجيش السودانى النظامى، اضطر إلى الانتقال إلى منطقة آمنة نسبيًا في بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، وهى تمثل أهمية استراتيجية عسكريا وسياسيا بالنسبة للبرهان، ليس فقط بسبب مينائها الذي تصل عبره مختلف الإمدادات اللوجستية والعسكرية، ولا مطارها الدولى، بل أيضاً بعدما تحولت إلى مقر مؤقت لقيادة الدولة، كما أنها مثلت متنفسا للبرهان الذي تمكن من التحرك بحرية إلى الخارج، وتمثيل بلاده في المحافل الدولية، وبالتالى اكتساب اعتراف دولى بشرعيته، ما أزعج حميدتى، وهدد بإعلان حكومة موازية من الخرطوم.

وأكد لـ«المصرى اليوم»: هنا بدأت ملامح وإرهاصات تقسيم واقعى على الأرض في السودان، حيث يسيطر الجيش على الشرق والشمال الشرقى، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على معظم مناطق العاصمة وغرب البلاد، ويدعم ذلك السيناريو استيلاء قوات الدعم السريع على مدينة ود مدنى الاستراتيجية في ولاية الجزيرة.

وتابع على مستوى التدخل والدعم الدولى والإقليمى، فإن مجلس السيادة السودانى، بقيادة البرهان، يعانى من سعى كثير من الدول الإفريقية المحيطة، مثل إثيوبيا وكينيا، إلى تقوية موقف الدعم السريع، وإضعاف شرعية حكومة البرهان، كما ظهر في اجتماع قمة الإيجاد الذي عقد في إثيوبيا، إضافة إلى دور فاغنر الروسية الداعم لحميدتى، هنا تحول السودان إلى ملعب رئيسى للتنافس الدولى، خاصة روسيا التي تسعى لنقل ساحة هذا التنافس من الملعب الأوكرانى إلى القارة الإفريقية، تسعى روسيا لتعزيز نفوذها في إفريقيا عبر التركيز على تقديم نفسها كبديل استراتيجى مناسب للنفوذ الغربى، وتحديداً الفرنسى، ولنا في انقلابات غرب إفريقيا خير نموذج ودليل.

ويرى عتلم أن الغاية النهائية لهذا التنافس الغربى ليس فقط التنافس على القيادة العالمية، لكن الأهم النفاذ والهيمنة على الثروات الإفريقية، والسودان همزة وصل رئيسية للنفاذ إلى تلك الثروات، على سبيل المثال تسعى روسيا إلى إنشاء قاعدة بحرية لوجستية للبحرية الروسية في السودان، والتى تتيح إمكانية الوصول المباشر إلى جمهورية إفريقيا الوسطى غير الساحلية ومنطقة الصحراء والساحل، حيث تعمل شركات التعدين الروسية، وهو الأمر الذي تسبب في إزعاج كبير لواشنطن، التي ترى في الوجود الروسى تهديدا مباشرا لأمن البحر الأحمر، وبالتالى فإن وجود قاعدة روسية في السودان دفعها إلى التحرك من أجل قطع الطريق على ذلك، وقد بدأت باستقدام قوات تدخل سريع وقوات خاصة إلى جيبوتى.

وأشار إلى أن السودان كذلك شأنها شأن غالبية دول القارة، أغنى دول من حيث الثروات وأفقر شعوب، السودان تحتل المرتبة 15 من حيث إنتاج الذهب في العالم، والثالث في إفريقيا، وتمتلك احتياطات نفطية تقترب من الــ 7 مليارات برميل، إلى جانب مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى، كما أنها مهيأة لأن تكون سلة غذاء العالم لوفرة الأراضى الصالحة للزراعة، خاصة على مستوى المحاصيل الرئيسية التي ارتفعت أسعارها جراء الحرب الروسية- الأوكرانية، والتى تتجاوز مساحتها الـ 200 مليون فدان، إلى جانب وفرة الاحتياطات النفطية والتعدينية، هناك أهمية إضافية للسودان، وهى أنها من الدول الإفريقية التي تمتلك بنية تحتية وخطوط أنابيب وموانئ قادرة على نقل كميات النفط والمعادن إلى الأسواق العالمية، وبالتالى السودان رقم مهم في معادلة أسعار النفط والمعادن العالمية، ما يجعل لعاب القوى الكبرى يسيل أمام تلك الثروة غير المستغلة نتيجة التناحر الداخلى.

ونتيجة للاقتتال الدائر والممتد، فإن البنى التحتية العامة شهدت ضررًا بالغًا أكثر من (70٪ من المستشفيات في مناطق القتال خارج الخدمة) والمساعدات الدولية غير كافية وتواجه صعوبات وعلى المستوى الاقتصادى، أدى الصراع إلى انكماش كبير في الناتج المحلى الإجمالى في عام 2023، ولم يسلم منه أي قطاع، وأول المتضررين كانت الصناعة، التي يتركز معظم نشاطها في ولاية الخرطوم، حيث يدور معظم القتال، وأدى تدمير رأس المال المادى والمعدات والبنية التحتية (النقل والمبانى وخطوط الأنابيب) والقتال الدائر حولها إلى إعاقة الإنتاج ونقل البضائع، ونتيجة لذلك انخفض استخراج النفط وتكريره بشكل كبير، وكذلك الحال بالنسبة لتعدين الذهب، كما تكبدت الخدمات (التجارة والجملة والتجزئة) والزراعة، وهما القطاعان الرئيسيان في البلاد، خسائر فادحة نتيجة لانعدام الأمن الشديد والنهب وعدم القدرة على الوصول إلى الأسواق والمدخلات والتمويل. وأدى نقص السيولة وانهيار العملة إلى عرقلة المعاملات التجارية، ونتيجة لذلك انهارت صادرات البلاد (الفول السودانى والزيت والقطن والصمغ العربى والماشية).

Exit mobile version