
خاص : سودان لايف
دخل السودان بصورة متزايدة في حسابات التنافس الإقليمي، في ظل تحولات واسعة تشهدها خريطة التحالفات الدولية والإقليمية، وتراجع بعض الاصطفافات التقليدية لصالح ترتيبات تقوم بدرجة أكبر على المصالح الأمنية والاقتصادية والتجارية والتكنولوجية.
ووفق تحليل للمؤرخ البريطاني سيمون سيباغ مونتفيوري نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن الأزمات التي تشهدها مناطق مختلفة لم تعد منفصلة عن بعضها، بل أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من المصالح والتفاهمات تمتد من أوكرانيا والقوقاز والخليج إلى شرق أفريقيا وجنوب آسيا.
السودان والبحر الأحمر في قلب الحسابات
ويرى مونتفيوري أن موقع السودان الجغرافي يجعله جزءاً مهماً من هذا المشهد، خصوصاً مع ارتباطه بالبحر الأحمر وشرق أفريقيا، وهي منطقة تزداد أهميتها في الحسابات الأمنية والاقتصادية للقوى الإقليمية.
وأشار الكاتب إلى أن السودان أصبح ساحة للتنافس بين أطراف تسعى إلى تعزيز نفوذها في ملفات متعددة، من بينها الموانئ والذهب والأراضي الزراعية، إلى جانب الموقع الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر.
ونقل موقع سودان لايف عن التحليل أن أهمية السودان لا تنفصل عن التطورات في القرن الأفريقي، حيث تتداخل حسابات النفوذ في السودان والصومال وإثيوبيا مع التحولات الأوسع في منطقة البحر الأحمر.
ويعني هذا التشابك، وفق رؤية الكاتب، أن التطورات في شرق أفريقيا لم تعد شأناً إقليمياً منفصلاً، بل أصبحت مرتبطة بحسابات القوى الموجودة في الشرق الأوسط وخارجه.
من التحالفات التقليدية إلى المصالح المشتركة
ويشير مونتفيوري إلى أن طبيعة التحالفات الجديدة تختلف عن الاصطفافات التي كانت تقوم بدرجة كبيرة على اعتبارات مذهبية أو أيديولوجية.
وبحسب التحليل، أصبحت ملفات الأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا والنفوذ عوامل أكثر حضوراً في تشكيل العلاقات بين الدول، وهو ما أفرز نماذج جديدة من التعاون الإقليمي.
ومن الأمثلة التي أوردها الكاتب اتفاقات وتفاهمات أمنية بين دول مختلفة، من بينها التعاون بين السعودية وتركيا وباكستان، والتقارب الأمني بين اليونان وإسرائيل، إلى جانب تنامي العلاقات بين أوكرانيا ودول خليجية، وتعزيز الشراكة بين إسرائيل والهند.
ورصد محرر موقع سودان لايف أن هذه الصورة تضع السودان ضمن شبكة أوسع من التفاعلات، لا سيما أن البحر الأحمر يمثل نقطة اتصال بين طرق التجارة الدولية ومصالح دول شرق أفريقيا والخليج.
الحرب الأوكرانية توسع دائرة التشابك
ولا يقصر التحليل هذا التشابك على الشرق الأوسط وأفريقيا، إذ يربط مونتفيوري بين الحرب الروسية في أوكرانيا وعدد من الملفات الإقليمية الأخرى.
ويرى الكاتب أن الحرب انعكست على العلاقات بين روسيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، كما امتدت تداعياتها إلى حسابات تركيا والقوقاز وآسيا الوسطى.
وفي جنوب آسيا، يشير التحليل إلى تنامي العلاقات بين باكستان والسعودية وتركيا، مقابل تعزيز الهند علاقاتها مع إسرائيل، مع استمرار علاقاتها في الوقت نفسه مع إيران وروسيا.
كما يلفت مونتفيوري إلى مشاريع الربط الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، باعتبارها عاملاً يمكن أن يضيف بعداً اقتصادياً إلى شبكة التحالفات المتداخلة.
هل تصبح الأزمات أكثر ترابطاً؟
يحذر الكاتب من أن مرونة التحالفات الجديدة وتداخلها قد تحمل مخاطر إضافية، إذ يمكن أن يؤدي اندلاع أزمة في منطقة معينة إلى التأثير في ملفات أخرى ترتبط بها أمنياً أو اقتصادياً.
وبحسب التحليل، فإن الخطر لا يتمثل فقط في استمرار النزاعات القائمة، وإنما في احتمال انتقال تداعياتها بين مناطق مختلفة، بحيث تصبح أزمات أوكرانيا والشرق الأوسط والبحر الأحمر وأفريقيا مرتبطة ضمن مسار واحد أكثر تعقيداً.
ويصف مونتفيوري التحالفات الحالية بأنها مرنة ومتعددة المستويات، بحيث تستطيع الدولة نفسها الانخراط في ترتيبات أمنية مع طرف، وفي شراكات اقتصادية أو تكنولوجية مع طرف آخر.
الساحل وليبيا ضمن المشهد
وامتد التحليل إلى منطقة الساحل وليبيا، حيث أشار مونتفيوري إلى تنامي نفوذ المجالس العسكرية والجماعات المسلحة في دول تعاني هشاشة مؤسساتية، بالتزامن مع تنافس نفوذ بين فرنسا وروسيا.
وحذر من أن انهيار إحدى الدول الهشة في المنطقة قد يفتح المجال أمام توسع نشاط الجماعات المسلحة نحو مناطق أخرى، بما يزيد الضغوط الأمنية على دول الإقليم.
ويضع هذا التطور منطقة الساحل والقرن الأفريقي ضمن دائرة واحدة من المخاوف الأمنية، خصوصاً في ظل ضعف الحدود وتداخل الأزمات الاقتصادية والأمنية.
واشنطن أمام شبكة معقدة
ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك القدرة على إدارة جزء كبير من شبكة العلاقات المعقدة في المنطقة، رغم تراجع الثقة بها لدى بعض دول الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن استمرار المخاوف الأمنية الإقليمية يدفع دولاً عديدة إلى المحافظة على علاقاتها الأمنية والعسكرية مع واشنطن، حتى مع سعيها في الوقت نفسه إلى بناء شراكات متعددة مع قوى أخرى.
ورصد محرر موقع سودان لايف أن هذا التحول يعكس اتجاهاً نحو تنويع الشراكات بدلاً من الاعتماد على تحالف واحد، وهو ما يجعل المشهد الإقليمي أكثر مرونة، لكنه في الوقت ذاته أكثر تعقيداً.
ماذا يعني ذلك للسودان؟
في ضوء هذا التحليل، لا يظهر السودان باعتباره أزمة منفردة، وإنما كجزء من مساحة جغرافية تمتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر والخليج.
ونقل موقع سودان لايف أن أهمية السودان في الحسابات الإقليمية ترتبط بموقعه وموارده واتصاله بممرات التجارة، وهي عوامل تجعل التطورات داخله محل اهتمام أطراف إقليمية ودولية متعددة.
ومع استمرار الحرب والأزمة الاقتصادية، قد تزداد أهمية هذه العوامل في تحديد طبيعة التفاعلات حول السودان، خصوصاً في ما يتعلق بالموانئ والتجارة والطاقة والموارد.
ولا يقدم تحليل مونتفيوري توقعاً محدداً لمسار السودان، لكنه يضعه ضمن خريطة أوسع تتجه فيها العلاقات الدولية نحو تحالفات متداخلة تحكمها المصالح المتغيرة، في وقت يصبح فيه البحر الأحمر أحد المحاور المهمة لفهم المرحلة القادمة.




