الأبيض.. أين تعثرت الهدنة؟

أحمد عثمان جبريل

❝ ليست المأساة أن تشتعل الحروب، فالحروب يعرفها التاريخ منذ فجر الإنسان، وإنما المأساة أن تُفتح نافذة للسلام، ثم يُختلف حتى على عبور الضوء منها. ❞

في الحروب، لا يكون السؤال الأصعب: من يطلق الرصاصة الأولى؟ بل: من يملك الشجاعة ليُسكت الأخيرة. فالحرب، حين تطول، لا تعود ميدانًا تتقدم فيه الجيوش وتتراجع، بل تتحول إلى طاحونة لا تميز بين جندي وطفل، ولا بين مدينة وأخرى، ولا بين منتصر ومهزوم. وكل يوم يمر، يتآكل من الوطن شيء، حتى يصبح الناس يتجادلون حول الخرائط، بينما تضيع البيوت التي كانت تمنح الخرائط معناها.

ولذلك، فإن الأمم التي نجت من حروبها لم تنجُ لأنها امتلكت السلاح الأقوى، بل لأنها أدركت، في لحظة فارقة، أن السلام ليس هزيمة، وأن الهدنة ليست استسلامًا، بل قد تكون الجسر الأخير قبل أن يسقط الجميع في الهاوية.

تقول الحكاية التي يرويها المؤرخون أن مدينةً عظيمةً كانت محاصرة، وقد انقسم أهلها يومئذ بين فريق يرى أن قبول هدنة قصيرة يمنح الناس فرصة لالتقاط الأنفاس، وفريق آخر كان يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه، وأن الحسم بات قريباً فلا معنى لأي توقف.. طال الجدل، وضاعت الأيام، بينما كانت النار تقترب من الأسوار.. وحين انتهى الخلاف، لم تعد القضية: من كان رأيه أصوب؟ فقد كانت المدينة قد دفعت الثمن كله، ولم يبق من ذلك السجال إلا درس واحد: “إن الفرص الضائعة لا تعود، أما المدن إذا دفعت ثمن التأخير، فإنها تحتاج سنوات طويلة لتستعيد ما خسرته في أيام قليلة”.

تذكرت تلك الحكمة وأنا أتابع الجدل الذي يدور حول الهدنة المقترحة للمتقاتلين السودانيين.. لم يكن أكثر ما استوقفني هو اختلاف المواقف، فذلك أمر تعرفه السياسة، وإنما ما استوقفني هو سؤال ظل معلقاً فوق رؤوس السودانيين جميعاً:”إذا كانت قنوات التواصل قائمة، وإذا كانت المبادرات تُطرح، وإذا كانت الحرب تدخل عامها الرابع.. فأين تعثرت الهدنة؟”.

(1)

ما كشفته التصريحات المتبادلة في الأيام الماضية فتح باباً واسعاُ للتساؤل.. فمن جهة، تحدثت تصريحات أمريكية عن تعثر مبادرة الهدنة، ومن جهة أخرى، أكد السفير السوداني لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، أن الاتصالات مع المبعوث الأمريكي مسعد بولس لم تنقطع، بل أشار إلى تبادل الرسائل خلال مسار المشاورات، وأن الحكومة قدمت ملاحظاتها على المقترح ولم تعتبر نفسها رافضة له. وبين هاتين الروايتين، يبقى السؤال الذي يهم المواطن السوداني قبل أي طرف آخر: إذا كانت خطوط الاتصال مفتوحة، حتى على (الواتس) فلماذا لم تثمر عن هدنة، ولو مؤقتة، تخفف من نزيف الدم؟

(2)

ليس هذا سؤالًا سياسياً مجرداً، بل سؤال إنساني بامتياز.. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد السودانيون يحصون البيانات العسكرية، بقدر ما يحصون أسماء أحبائهم الذين غابوا، والقرى التي فرغت من أهلها، والمدن التي أنهكها الحصار، وملايين النازحين واللاجئين الذين ينتظرون نهاية لا تبدو قريبة.. لذلك فإن أي فرصة للتوقف، ولو أياماً معدودة، تستحق أن تُناقش بقدر كبير من المسؤولية، لأن كلفتها المحتملة أقل بكثير من كلفة استمرار الحرب.

(3)

اليوم، لا تبدو الأبيض مجرد مدينة أخرى على خارطة الحرب، بل تبدو سؤالاً جديداً يطرق ضمير السودان.. فالمدن لا تسقط فجأة، وإنما تتآكل تحت وطأة الحصار، والخوف، وانقطاع الإمدادات، وتراجع الأمل.. وهذه يدرس للقادة الضباط في مدارسهم العسكرية نظريا قبل ان يخوضوا فعليا تجربة القتال على الارض؛ وإذا كانت تجربة الفاشر قد تركت جراحاً غائرة في الذاكرة العسكرية والسودانية معاً، فإن من حق الناس أن يتساءلوا: “هل استُخلصت الدروس منها، أم أن البلاد تمضي نحو تكرار المشهد ذاته في مدينة أخرى؟”.. أم يالها من مأساة.. وليس المقصود هنا استدعاء الخوف، وإنما استدعاء الحكمة.. فالحكمة لا تمنع الحرب إذا بدأت، لكنها قد تمنع اتساعها إذا أُحسن الإصغاء إليها.

(4)

لقد كشفت الأيام الأخيرة أن قنوات الاتصال بين الأطراف الدولية والسلطات السودانية لم تكن مقطوعة، بل كانت قائمة وفق ما أعلنته الأطراف المختلفة، وإن اختلفت رواياتها بشأن مآلات المبادرة.. وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع وسط البيانات المتبادلة:” إذا كانت أبواب الحوار مواربة، فمن الذي أغلقها قبل أن تتحول إلى هدنة؟”.

قد تختلف الروايات، وقد تتباين التفسيرات، لكن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن استمرار القتال لا يدفع ثمنه أصحاب البيانات، وإنما تدفعه الأسر التي تودع أبناءها كل صباح، والمرضى الذين ينتظرون دواءً قد لا يصل، والأطفال الذين أصبحوا يحفظون أصوات المدافع أكثر مما يحفظون أجراس المدارس.

(5)

ثم إن الحرب لم تعد شأناً عسكرياً خالصاً.. فكل يوم يطول فيه أمدها، تتسع رقعة الأزمة الاقتصادية، وتتراجع الخدمات، وتتضاعف معاناة ملايين النازحين واللاجئين.. وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط الدولية، وتُثار اتهامات متبادلة بالغة الخطورة، من بينها مزاعم تتعلق باستخدام أسلحة محظورة، وهي ادعاءات تستوجب تحقيقاً مستقلاً ونزيهاً للوصول إلى الحقيقة، بعيداً عن التوظيف السياسي، لأن الحقيقة وحدها هي التي تُنصف الضحايا وتحفظ العدالة..

وسط كل ذلك، يبقى السؤال معلقًا: “أليس أولى بالسودان أن يختبر كل نافذة يمكن أن تخفف من هذا النزيف؟”

(6)

قد يرى بعضهم أن الهدنة لا تحقق نصراً عسكرياً، وقد يرى آخرون أنها تمنح خصماً فرصة لإعادة ترتيب صفوفه.. تلك حسابات تعرفها الحروب.. لكن هناك حساباً آخر لا ينبغي أن يغيب، وهو حساب الإنسان..

فالانتصارات العسكرية، مهما عظمت، لا تستعيد طفلاً فقد أسرته، ولا تعيد مدرسةً هُدمت، ولا تمحو آثار النزوح عن ملايين السودانيين.. وتاريخ الحروب يخبرنا أن أكثرها قسوة لم تنتهِ حين عجز أحد الأطراف عن القتال، بل انتهت الحروب حين أدرك الجميع أن استمرارها أصبح أكثر كلفة من وقفها.

(7)

ربما لا يملك كاتب المقال إجابةً قاطعة عن السؤال الذي بدأ به.. وربما تبقى تفاصيل ما جرى في كواليس المبادرات والاتصالات حبيسة الغرف المغلقة.. لكن ما يملكه، وما يملكه كل سوداني، هو الحق في أن يسأل:

أين تعثرت الهدنة؟

ومن الذي سيجيب لأمهات الضحايا إن كانت هناك فرصة لتخفيف هذا الألم ولم تُكتب لها الحياة؟

إن هذا السؤال ليس موجهاً إلى طرف دون آخر، بل إلى كل من يملك قراراً، أو تأثيراً، أو كلمةً يمكن أن تدفع نحو إطفاء النار بدلًا من إذكائها.

قد تختلف المواقف، وتتباين الرؤى، وتتعارض الحسابات السياسية والعسكرية، لكن شيئاً واحداً لا ينبغي أن يكون محل خلاف: أن السودان لا يحتمل حرباُ بلا أفق، ولا مدناً تُستنزف واحدةً تلو الأخرى، ولا شعباً يُطلب منه أن يؤجل حقه في الحياة إلى أجل غير معلوم.

ولذلك، فإن السؤال الذي بدأنا به سيظل قائماً، لا لأنه يبحث عن إدانة أحد، بل لأنه يبحث عن مستقبل وطن: إذا كانت نافذة للهدنة قد فُتحت يوماً، فلماذا أُغلقت قبل أن يعبر منها السودانيون إلى شيء من الأمل؟ .. الله غالب .

ومضة أفق الحرف

ليست الأمم العظيمة تلك التي لا تعرف الحروب، بل تلك التي تعرف متى تُسكت البنادق قبل أن تُسكت الحياة.. فحين تعجز السياسة عن إنقاذ الإنسان، يصبح الإنسان هو الشاهد الأخير على فشل السياسة.

أفق الحرف

أفقٌ يترفّق بإتساعه وفيهم صُنّاع الحياة، لتزدهر إنسانية الإنسان، ليعيش معنى الحياة.. حيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ.

Exit mobile version