
أحمد عثمان جبريل
بينما يتجادل الساسة في أديس أبابا، ويتنقل القادة بين العواصم بحثاً عن خرائط التسوية وترتيبات الحكم ومستقبل السلطة في السودان، يعيش ملايين السودانيين مستقبلهم بالفعل في المنافي، بلا دولة تحميهم، ولا حرب تسمح لهم بالعودة، ولا سلام يلوح في الأفق.
وفي ليبيا تتجسد هذه المأساة في أكثر صورها قسوة.. فهناك لا تدور المعركة حول من يحكم السودان، بل حول من ينجو.. لا ينشغل الناس بوثائق التفاوض ولا بتوازنات القوى، بل بسؤال أبسط وأكثر إيلاماً: “كيف يمكن عبور يوم جديد بأقل قدر من الخوف؟”.
أسر كاملة فرت من الموت في السودان لتجد نفسها في مواجهة قلق جديد.. أطفال حملوا معهم ذاكرة الحرب إلى المنافي.. رجال ونساء تركوا خلفهم بيوتاً وأعمالاً وأعماراً كاملة، ثم وجدوا أنفسهم عالقين بين وطن لا يستطيع احتضانهم ومنفى لا يمنحهم الطمأنينة..
لهذا لا يبدو عنوان هذا المقال مجرد عبارة صحفية، بل نداء استغاثة حقيقياً: “أنقذوا السودانيين في ليبيا”.
❝كلُّ إنسان مسؤول أمام الجميع عن كل شيء. ❞
— فيودور دوستويفسكي
(1)
حين اندلعت الحرب في السودان لم يكن الذين عبروا الحدود يبحثون عن حياة أفضل، بل عن فرصة للبقاء أحياء.. كانوا يهربون من الرصاص والقصف والجوع والخوف وانهيار كل ما يجعل الوطن صالحاً للحياة.. ظن كثير منهم أن عبور الحدود يعني نهاية الكابوس، لكن الكابوس كان يبدل وجوهه فقط.
(2)
في ليبيا اليوم يعيش آلاف السودانيين أوضاعاً إنسانية معقدة ومؤلمة.. مؤلمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.. فهناك أسر محاصرة في بيوتهم يهاجمهم الموت من كل باب، وصحافيون في السجون في وضع مزري وشباب يطاردون في الشوارع والأزقة، وأسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال انقطعت صلتهم بالتعليم، ومرضى يواجهون المرض والغربة معاً، وعائلات كاملة في مدن ليبية مختلفة تعيش على أمل مؤجل بأن يأتي يوم تعود فيه إلى وطنها أو تجد مكاناً آمناً تستقر فيه.
(3)
المأساة الحقيقية لا تكمن في الفقر وحده، بل في الإحساس القاسي بأن العالم كله مشغول عنهم.. فبينما تتصدر اجتماعات وحوارات السياسة والعسكر نشرات الأخبار، يبقى السوداني العالق في ليبيا وحيداً أمام أسئلته اليومية: “كيف يعيش؟ كيف يحمي أسرته؟ وكيف ينجو من المجهول الذي يحيط به من كل جانب؟”.
(4)
إن الذين يناقشون اليوم مستقبل السودان يفترض أنهم يفعلون ذلك من أجل هؤلاء الناس. من أجل الطفل الذي فقد مدرسته.. ومن أجل الأم التي فقدت بيتها.. ومن أجل الشاب الذي فقد مستقبله.. والفتاة التي توقفت حياتها؛ فإذا غاب هؤلاء عن قلب النقاش، فما الذي يبقى من معنى السياسة؟ وما قيمة التسويات إذا كانت لا تبدأ بالإنسان الذي دفعت الحرب به إلى المنافي؟.
(5)
الوطن ليس سلطة ولا منصباً ولا اتفاقاً سياسياً. الوطن هو شعور المواطن بأن هناك من يراه ويحميه ويدافع عنه.. وحين يصبح المواطن مطارداً بالخوف داخل وطنه وخارجه، فإن الأزمة تتجاوز السياسة لتصبح (أزمة ضمير) ومسؤولية أخلاقية قبل أي شيء آخر.
(6)
والواقع أن المسؤولية لا تقع على السودانيين وحدهم.. فالأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية مطالبة اليوم بأكثر من بيانات القلق والأسف والإدانة.. المطلوب استجابة تتناسب مع حجم المعاناة والمأساة..المطلوب حماية ومساندة ومتابعة جادة لأوضاع آلاف البشر الذين وجدوا أنفسهم بين الحرب والمنفى. فخلف كل رقم في تقارير النزوح إنسان له اسم ووجه وقصة وعائلة وأحلام مهددة بالضياع.
(7)
أما السلطات الليبية، بكل مستوياتها، فإن عليها واجباً إنسانياً وأخلاقياً تجاه من لجؤوا إلى أراضيها هرباً من الحرب.. فكرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون ضحية للأزمات السياسية أو الأمنية، واللاجئ الذي فر من الموت لا يجوز أن يجد نفسه مرة أخرى في مواجهة الخوف والإهانة وانعدام الحماية.
أنقذوا السودانيين في ليبيا.. أنقذوهم قبل أن يتحول المنفى إلى مقبرة أخرى للأحلام.
أنقذوهم قبل أن يكبر جيل كامل وهو لا يعرف من الوطن إلا الحنين، ولا من العالم إلا اللامبالاة.
أنقذوهم لأن الدولة السودانية وجدت من أجل مواطنيها لا من أجل السلطة.. وأنقذوهم لأن السياسة التي لا تحمي الإنسان تفقد معناها.
أنقذوهم لأن الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية مطالبة بأن تثبت أن حماية البشر ليست مجرد شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل مسؤولية تُمارس عندما يكون الناس في أمسّ الحاجة إليها.
فالتاريخ لا يسأل فقط من حكم السودان، ولا من انتصر في الحرب، ولا من حصد أكبر نصيب من السلطة.. بل يسأل أيضاً:” أين كانت الحكومات والمنظمات والعالم حين كان السودانيون يستغيثون في ليبيا؟.. إنا لله ياخ .. الله غالب.





