
الحوار المستحيل .. استحالة التوافق (2)
الديمقراطية المستحيلة.. لاديمقراطية بلا استنارة
لا حوار .. لا تفاوض شعارات عدمية
بافتراض أن الديمقراطية لا تتحقق في بلد هش تحت التكوين، طحنته الحروب ، وهددت نسيجه الاجتماعى ، و لا يتفق اهله على الحد الادنى للتعايش السلمى ، و فى ظل تضخم و تعدد المجموعات القبلية و انقسامها على اساس ( خشوم البيوت ) ، و انعدام اى ملامح للاتفاق على مشروع للدولة الوطنية السودانية ، لدرجة أناهل بلادى لا يتشاركون كأمة واحدة أو يعترفون بحقوق بعضهم البعض ، مثل هذه الإشكالية تمثل عائقا كبيرا في تأسيس مجتمع مدني معافى، لآن المجتمع المدني هو المجتمع القادر علي توسيع دائرة المشاركة المجتمعية في عمل منظم، بهدف إنتاج الثقافة الديمقراطية، حيث يخلع فيه الجميع جلباب الطائفية و القبلية و الحزبية، و تصبح القدرات الذاتية هي المحفز الأول للاستيعاب في العمل، هذه الثقافة منعدمة تمامآ فى السودان لدرجة يختلط الامر على معظم القوى السياسية السودانية ، لدرجة اختلاط الذاتى بالموضوعى ، و عدم التفريق بين حدود الاهداف الحزبية و متطلبات بناء الدولة ، و معايير المشاركة السياسية و شروطها ، و استشراف وطن يتمثل الاندماج القومى الطوعى ، و التعايش السلمى كضرورة حتمية للبناء الديمقراطى ، ليس هذا فحسب ، بل ان غالبية منظمات المجتمع المدنى السودانية غير الحزبية تتعامل سياسيآ بالضد من اشتراطات المجتمع المدنى ، و عملت و تعمل على المشاركة السياسية المباشرة بقياداتها فى السلطة التنفيذية و الحكومة ،بينما واجباتها الوظيفية تتطلب ان تراقب و ترشد و تنصح التنفيذيين ، و ان تعمل على تطوير العملية السياسية من خلال الممارسة الديمقراطية و تنمية و طرح الافكار للمجتمع كافة ، و المساهمة فى تشكيل الوعى المجتمعى ،
عنوان المقال مستوحى من مؤلف للمرحوم الأستاذ عبد العزيز الصاوي تحت عنوان (في الفكر السياسي .. ديمقراطية بلا استنارة) ، وفي هذا الكتاب طرح الأستاذ الصاوي أفكاراً وجدت اهتماماً ونقاشاً من شريحة واسعة من أهل الثقافة والسياسة، ملخص تلك الأفكار يتمركز حول إمكانية وجود ديمقراطية في بلادنا دون استنارة، أوضح الصاوي أن الديمقراطية هي عملية مستمرة تبدأ بالتوعية وتستمر بالوعي، وهي علاقه جدلية، لا تنتفي أو تتقاطع العلاقة بينهما في الممارسة، ولا تتقدم إحداهما على الأخرى، إلا بقدر ما موجود على أرض الواقع، برغم وجود اشتراط سببي لوجودهما معاً، والنفي الأول لا ينفي النفي الثاني، بل يؤكد على ملازمته كشرط نجاح الممارسة الديمقراطية، مؤكداً أن الديمقراطية نظام وأسلوب حياة وطريقة تفكير وليس مقصوداً بها الآليات والقوانين التي تنظم الممارسة السياسية كالانتخابات ونظام الحكم، بل إن الاستنارة تعني يقظة وعي المواطن واضطلاعه بدوره وحقوقه وواجباته في الحياة العامة والخاصة ، بما يتيح فرصة لإحياء مشروع الدولة السودانية الحديثة ، ولخص الصاوي رؤيته في (لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين ، ولا ديمقراطيون بدون أحزاب ديمقراطية) بالإضافة إلى مؤلف آخر تحت عنوان (الديمقراطية المستحيلة) ، الكتابين شكلاً برأي كثيرين نظرة متفردة لعملية استدامة الديمقراطية في وسط مستنير، و بلا شك فان غياب الاستنارة ادى لتراجع الديمقراطية في السودان بسبب غياب دور الحركة الاجتماعية والاقتصادية التي تتمركز حولها منظمات المجتمع المدني، و هذا يفسر غياب المضمون الديمقراطي المتمثل في التنمية والعدالة الاجتماعية، يشير إلى أهم أسباب أفول الديمقراطية الهشة التي تعاقبت عليها حكومات شمولية إلى عوامل الجدب السياسي وجفاف مصادر التنوير،فلا سبيل لاستدامة الديمقراطية في مجتمع غير مستنير و لا جدوى للديمقراطية من دون ديمقراطيين مستنيرين ، وبالرغم من وصف تطبيق الديمقراطية في السودان بـ(المستحيلة)، إلا أنّ إمكانية إحلالها كـ(ممارسةٍ) وكـ(سلوكٍ) بعاملين مهمين هما (الإصلاح التعليمي والمجتمع المدني )،
قوى سياسية رفعت شعارات لا حوار .. لا تفاوض ، و خطورة هذه الشعارات ليست فى عدمية ناتجها السياسى المرحلى ، و انما خطورتها فى تأثيرها على المدى المستقبلى و امكانية استخدامها ليس لاقصاء العسكر ، و انما استخدامها لتكريس الانقسام بين القوى السياسية و المجموعات الاهلية و القبيلية و المجتمعية ، بحيث يتعذر الوصول الى الحد الادنى للاتفاق على المسار الانتقالى ، و ليس من دليل على ذلك اوضح من اقصاء قوى سياسية و محاسبتها على ارائها فى الشأن السياسى ، و فصلها من الحرية و التغيير( الوطنى الاتحادى و الجمهورى ) ، وفى ذات الوقت محاولات حثيثة لاعادة الحزب الشيوعى لحظيرة مجموعة الاربعة ومحاسبته على رؤيته و تخوينه بسبب رفضه و ممانعته ، هذه امثلة ربما تكون دليلآ لاستمرار نهج الاقصاء ، ربما هناك من يبرر سلوك مجموعة الاربعة الاقصائى بتاثير بريق السلطة و هم فى السلطة ، مراقبون ومهتمون بالشأن السودانى لا يجدون تفسيرآ منطقيآ لاستمرار نفس النهج بعد التجربة المريرة التى مرت و تمر بها مجموعة الاربعة بعد الانقلاب ، ايها القوم ان اى اقصاء لا يقود الا الى الانقلاب ، و بالعدم يقود الى الحرب الاهلية ،





