
تدهور الإعلام … حين تصبح الشهرة هدفًا لا رسالة
بقلم : مصطفى الشافعي
لم يعد الإعلام اليوم كما كان، لم يعد منبرًا للوعي، ولا مساحة لطرح القضايا بعمق ومسؤولية، بل أصبح في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة لمن يجيد الظهور أكثر مما يجيد الفهم.
في السابق، كان الإعلامي يُصنع عبر سنوات من الدراسة والتدريب والاحتكاك بالمهنة. كان يعرف معنى الكلمة، ووزن المعلومة، وخطورة التأثير. أما اليوم، فقد أصبح الظهور على الشاشة أو تصدر المنصات الرقمية متاحًا لكل من يملك واسطة قوية أو شبكة معارف نافذة.
عندما تُختزل المهنة في العلاقات
الخلل لا يكمن في أن المجال أصبح مفتوحًا، فالتطور الطبيعي للإعلام الرقمي يفرض ذلك، لكن الكارثة تبدأ عندما تُستبدل الكفاءة بالمعرفة الشخصية، والخبرة بالولاءات.
تُمنح الفرص أحيانًا لمن يملك الدعم الاجتماعي أو السياسي، لا لمن يملك التأهيل المهني، ويُقصى أصحاب الدراسة والخبرة لأنهم لا يجيدون لعبة العلاقات.
وهنا يبدأ التدهور:
محتوى سطحي يفتقر للبحث،، ونقاشات صاخبة بلا عمق، وتضخيم للترند على حساب الحقيقة، وخلط بين الرأي والمعلومة، وتحوّل الإعلامي إلى باحث عن إعجاب، لا باحث عن حقيقة.
الشهرة السريعة… ثمنها المصداقية
الشهرة التي تُبنى على “الواسطة” لا على الكفاءة، تكون سريعة… لكنها هشة.
وحين يصبح الهدف هو عدد المتابعين لا جودة المحتوى، فإن الخطاب الإعلامي يفقد روحه، ويتحول إلى مجرد استعراض.
الأسوأ من ذلك، أن الجمهور نفسه يدفع الثمن.
فهو يتلقى معلومات غير دقيقة، وتحليلات سطحية، وتوجيهات قد تؤثر على وعيه وقراراته.
هل المشكلة في الأشخاص أم في المنظومة؟
الإنصاف يقتضي أن نقول: المشكلة أعمق من الأفراد.
هي أزمة معايير.
حين تغيب الضوابط المهنية، وتضعف مؤسسات التدريب، وتصبح المحسوبية ثقافة مقبولة، فإن أي مجال، لا الإعلام وحده، سيتعرض للتراجع.
الإعلام لا ينهار لأن هناك غير إعلاميين دخلوا المجال، بل لأنه لم تعد هناك معايير واضحة تميز بين من يمارس المهنة ومن يستغلها.
الطريق إلى الإصلاح، فان الإصلاح لا يبدأ بالإقصاء، بل بوضع معايير حقيقية:
تقدير التخصص والتأهيل، تعزيز أخلاقيات المهنة، دعم الإعلاميين المهنيين.
ومحاسبة المحتوى المضلل، وتثقيف الجمهور ليُميز بين الصخب والمهنية.
سطر اخير..
فالإعلام مسؤولية قبل أن يكون فرصة، هو رسالة قبل أن يكون منصة.
وإذا استمر التعامل معه كوسيلة للشهرة فقط، فسوف نفقد واحدة من أهم أدوات بناء الوعي في المجتمع.





