أبرز المواضيعأخر الأخبار

بعد أكثر من ألف يوم.. توازن العجز: لماذا تستمر الحرب في السودان؟

بعد أكثر من ألف يوم.. توازن العجز: لماذا تستمر الحرب في السودان؟
البراهنة: التفويض العاطفي الذي يعيد إنتاج الحرب.

عزت خيري
٩ يناير ٢٠٢٦

بعد أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب في السودان، لم يعد من الدقيق توصيف هذا الصراع بوصفه مواجهة ثنائية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حول السلطة. هذا الإطار التبسيطي، رغم شيوعه، بات يحجب حقيقة أعمق وأكثر خطورة: فالحرب الجارية اليوم تدور في ظل غياب مركز فاعل للسلطة. ما يشهده السودان ليس صراعًا للسيطرة على الدولة، بل نزاعًا ممتدًا يجري بعد أن تفككت الدولة نفسها.

لم يُفضِ الاشتباك المباشر بين القوتين العسكريتين الرئيسيتين إلى حسم، بل سرّع من تفكيك ما تبقّى من هياكل الدولة المركزية، وهي هياكل كانت قد تعرضت للتآكل قبل أبريل 2023 بفعل عقود من الانهيار المؤسسي، والإقصاء السياسي، وعدم الاستقرار المزمن. فقد بات “المركز” الذي حكم من الخرطوم لسنوات طويلة يفتقر اليوم إلى الموارد، والقدرة العسكرية المتماسكة، والتحالفات السياسية والاجتماعية اللازمة لإدارة التوازنات الوطنية. ونتيجة لذلك، تصاعدت خطابات التهميش، وتنامت المطالب بالحماية أو الحكم الذاتي، في ظل غياب سلطة قادرة على الاحتواء، سواء عبر إعادة توزيع عادلة للثروة والسلطة، أو من خلال تسويات سياسية، أو حتى باستخدام أدوات القهر التقليدية.

يمتلك كلٌّ من الجيش وقوات الدعم السريع من القوة والتحالفات ما يكفي لمنع هزيمته الكاملة، لكنه لا يملك ما يمكّنه من تحقيق نصر عسكري حاسم. وقد أفضى هذا الوضع إلى ما يمكن وصفه بـ«توازن سلبي»: توازن يسمح باستمرار الحرب، لكنه يعجز عن إنتاج نهاية لها. فالصراع لا يستمر لأنه يتجه نحو نتيجة، بل لأنه لا يوجد طرف قادر على فرضها.

ومع التمدد الجغرافي للحرب، تراجعت القدرة على القيادة والسيطرة داخل كلا المعسكرين. ولتعويض هذا التآكل، سعى الطرفان إلى توسيع قواعدهما الاجتماعية وتنويع خطاباتهما السياسية عبر تحالفات جديدة. إلا أن هذه العملية أدت إلى مزيد من تفكيك القرار المركزي. فالقيادات التي كان بإمكانها، في المراحل الأولى، التفكير في وقف القتال أو التفاوض، باتت اليوم مكبّلة بتعدد مراكز القوة وتضارب المصالح داخل معسكراتها. وبحلول عام 2026، أصبح الخروج من الحرب سياسيًا أكثر كلفة من الاستمرار فيها.

داخل معسكر الجيش، تعزّز هذا الاتجاه بظهور كتلة اجتماعية واسعة لا تنتمي إلى أطر أيديولوجية تقليدية. تتمركز هذه الكتلة في شمال ووسط السودان، وتقوم علاقتها مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان على ثنائية الخوف والغضب: خوف تغذّيه الانتهاكات الواسعة لقوات الدعم السريع، وغضب يتغذّى من الرغبة في الثأر.

تحليليًا، يمكن توصيف هذه الظاهرة بمصطلح «البراهنة» (Burhanism)، لا بوصفها أيديولوجيا، بل كنمط من التفويض السياسي المشحون انفعاليًا. فـ«البراهنة» لا تقوم على برنامج سياسي أو رؤية واضحة لما بعد الحرب، بل تمنح شرعية رمزية لقائد يُنظر إليه في آنٍ واحد بوصفه حاميًا وأداة انتقام. ضمن هذا الإطار، لا تُفهم الحرب كخيار سياسي قابل للنقاش أو المراجعة، بل كمسار ضروري، يكاد يكون ما قبل سياسي، يُفوَّض القائد وحده بإدارته وإنهائه. وهكذا تتراجع المساءلة، لتحل محلها سلطة رمزية يصعب الطعن فيها.

ولا تمثل «البراهنة» حركة منظمة، بل تؤدي وظيفة الوعاء الاجتماعي الذي يسمح بتماسك تحالف شديد التناقض. يضم هذا التحالف شبكات إسلامية، وعناصر من النظام السابق، وحركات مسلحة مصطفة مع الجيش، ومليشيات محلية، وشبكات مصالح اقتصادية مستفيدة من انهيار الرقابة، إلى جانب مواطنين عاديين صدمتهم الحرب. ما يجمع هذه الأطراف ليس مشروعًا سياسيًا موحدًا، بل رفض مشترك لقوات الدعم السريع. إنه تحالف سلبي، يتحدد أكثر بما يعارضه مما يسعى إلى بنائه.

وتتكرر التركيبة المتناقضة نفسها داخل معسكر الدعم السريع. فكلٌّ من البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) يشغل موقعًا يصعب تجاوزه داخل تحالفه، لكنه لا يمتلك سلطة كافية لفرض تحوّل استراتيجي نحو إنهاء الحرب. يحتوي كل معسكر على مراكز متعددة للقوة المسلحة، ذات أولويات متباينة. هذا التعدد يتيح استمرار القتال، لكنه يغلق باب الخروج منه. فوقف الحرب يتطلب درجة من المركزية لم تعد موجودة.

ويتعزز هذا التفكك مع صعود قوى مسلحة محلية يمكن تسميتها بـ«بنادق المناطق». هذه القوى ترتبط شكليًا بأحد المعسكرين، لكنها معنية أساسًا بالسيطرة المحلية والتحكم في الموارد. ومع مرور الوقت، ازدادت استقلاليتها، وتضاءلت القدرة على ضبطها، وأصبحت الحرب نفسها وسيلة لترسيخ نفوذها، ما يبدد أي أفق لإعادة بناء مركز موحد للسلطة.

الخطر الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل في تقسيم رسمي، بقدر ما يكمن في تفكك وظيفي شامل. مع استمرار الحرب، يتحول السودان إلى نقطة محتملة لإنتاج عدم الاستقرار العابر للأقاليم، عبر ثلاثة مسارات مترابطة: الهجرة غير النظامية، وانتشار السلاح، وإعادة تشكّل الشبكات المتطرفة في الساحل الإفريقي، والقرن الإفريقي، وليبيا، وممر البحر الأحمر.

في غرب السودان، لن يؤدي تراجع سيطرة قوات الدعم السريع إلى استقرار بديل، بل إلى توسيع الفراغات الأمنية التي تستغلها مليشيات محلية وشبكات تهريب عابرة للحدود. وفي الشمال والشرق، يخلق تمدد نفوذ شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية داخل مناطق سيطرة الجيش فراغًا من نوع آخر، فراغًا سياسيًا تُستعاد فيه أدوات التعبئة الأيديولوجية في سياق انهيار الدولة. ورغم أن هذا الواقع قد لا يتخذ شكل جماعات جهادية عابرة للحدود فورًا، إلا أنه لا يقل خطورة من حيث قدرته على تقويض أي تسوية مستقبلية عبر إعادة إنتاج مشاريع سلطوية إقصائية.

أحد أكبر العوائق أمام إنهاء الحرب لا يكمن في موازين القوة العسكرية فحسب، بل في البنى الاجتماعية التي أفرزتها الحرب نفسها، وعلى رأسها ظواهر مثل «البراهنة». فمن خلال ربط الصراع بمنطق الحماية والثأر، توفر هذه البنى غطاءً اجتماعيًا واسعًا لاستمرار القتال، لكنها تجعل أي تسوية سياسية تبدو غير شرعية أو سابقة لأوانها.

في ظل هذه الشروط، يصبح التعويل على نصر عسكري أو على تحقيق استقرار عبر تقوية أحد أطراف الحرب وهمًا مكلفًا. فلا الجيش ولا الدعم السريع يمتلكان القدرة على إعادة بناء سلطة مركزية قابلة للحياة. وكل محاولة في هذا الاتجاه لن تؤدي إلا إلى إعادة توزيع العنف زمانيًا وجغرافيًا.

الطريق الأقل كلفة – وإن لم يخلُ من صعوبات وتحديات – يتمثل في مسار سياسي طويل النفس، تدعمه أطراف إقليمية ودولية منسقة، ويستند إلى اعتراف صريح بواقع التعدد والتفكك القائم. أما الحلول السطحية أو «المسكنات السياسية» فلن تفعل سوى تأجيل انفجار أشد خطورة.

لقد تجاهل المجتمع الدولي إشارات الإنذار التي سبقت اندلاع حرب أبريل 2023، وكانت النتيجة أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم. إن تكرار النهج ذاته بعد مرور أكثر من ألف يوم على الحرب سيقود إلى كلفة أعلى، حيث تتداخل المأساة الإنسانية مع تهديدات أمنية مباشرة لدول الجوار وشركاء دوليين.

ما يحتاجه السودان اليوم هو إطار دولي منسق يعترف بتعدد مراكز القوة، ويسعى إلى احتواء العنف، والحد من تدفقات السلاح، وإدارة ضغوط الهجرة، ومنع إعادة تشكّل الشبكات المتطرفة، ووضع أسس واقعية لإعادة الإعمار. فإدارة الأزمة لم تعد كافية. ومن دون تغيير جذري في المقاربة، ستستمر الحرب لأنها أصبحت قادرة على إعادة إنتاج ذاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى