حين يُستدعى التاريخ: عن الفرق بين الشهادة والتبرير (1)

د. ناهد محمد الحسن

د. ناهد محمد الحسن

لم يكن المقال الذي كتبه المهندس عمر الدقير تعليقًا عابرًا على رأي سياسي طارئ، ولا كان الفيديو الذي استدعى ردَّه مجرّد مادة إعلامية أخرى في زحام الحرب. ما شدّني في الأمر ليس الخلاف بين الرجلين، بل نوع الأسئلة التي فتحها كلٌّ منهما من موقع مختلف، والأسلوب الذي اختار به كل واحد أن يرى السودان وهو ينزلق إلى لحظة شديدة الهشاشة.

الدقير كتب من موقع السياسة التي تبحث عن مخرج تاريخي من مأزق متراكم، لغةٌ تحاول أن تعيد الأزمة إلى جذورها، وتقاوم إغراء الحلول السهلة، وتصرّ على أن الحرب ليست قدرًا ولا خلاصًا.

أما التجاني عبد القادر، فكان يتحدث من مكان آخر تمامًا: مكان يرى في اللحظة الراهنة “لحظة حاسمة”، تستدعي استعجال الحسم، وتبرّر استدعاء الخارج، وتعيد ترتيب العالم أخلاقيًا بين أصدقاء يجب إنذارهم، وأعداء يجب التحذير منهم، وخونة ينبغي تسميتهم.

بحثت عن أصل هذا السجال، فقادني إلى فيديو إخباري مُتقن الصنع، كثيف الرموز، شديد الذكاء في استخدام الصورة والذاكرة والخوف. فيديو لا يكتفي بالشرح، بل يصنع إحساسًا بالزمن: زمنٍ يوشك أن ينفد، ومدنٍ تسقط، وخطرٍ يقترب، وتأخيرٍ سيكلف الجميع ثمنًا لا يُحتمل. يستدعي تجربة فرنسا عام 1940، ويقارنها بالسودان اليوم، ويذكّر مصر والسعودية بمصير بريطانيا، حين ترددت في نجدة فرنسا، ثم يختم باستحضار موقف روزفلت حين ربط أمن بلاده بأمن حليفته.

لكن ما يلفت الانتباه أكثر من الكلام، هو ما تقوله الصور، دون أن تنطق:

كيف تُستحضر الهيئات المشدودة، والوقوف الصارم، والهمس، والخرائط، والوجوه التي ارتبطت في الذاكرة الجماعية بالمؤامرة والخطر، لتُرسم خريطة أخلاقية سريعة: من معنا، ومن ضدنا، ومن يجب أن يخاف الآن.

هذا ليس مقالًا عن “من هو على صواب”.

ولا محاولة لترجيح كفّة خطاب على آخر.

هذه سلسلة تحاول أن تفهم كيف يُبنى الخطاب السياسي في لحظات الخوف، كيف يُستدعى التاريخ، وكيف تُستخدم الذاكرة، وكيف يعمل الخيال الجمعي حين تُقدَّم له الحرب بوصفها آخر فرصة للنجاة، أو آخر طريق للبطولة.

هذه محاولة لفهم ما يُقال لنا الآن، ولماذا يُقال بهذه الطريقة، وما الذي يُخفيه الخطاب حين يبدو واثقًا، حاسمًا، ومشحونًا بالإنذارات.

لأن أخطر ما في الحروب،

ليس فقط ما تفعله البنادق، بل ما تفعله الكلمات حين تُقنع الناس أن التفكير ترف، وأن السؤال خيانة،

وأن الوقت لا يسمح إلا بالخيار الواحد.

في لحظات الأزمات الكبرى، يعود التاريخ إلى الواجهة. لا بوصفه مادة للدرس، بل بوصفه شاهدًا يُستدعى ليمنح موقفًا ما شرعية أخلاقية أو واقعية. وحين تشتدّ الحروب، يزداد هذا الاستدعاء كثافة، لأن الحاضر يصبح ضيقًا، مرتبكًا، وعاجزًا عن إنتاج يقينياته بنفسه.

لكن التاريخ — على خلاف ما نحب أن نعتقد — لا يمنح نفسه بسهولة.

هو لا يشبه مرآة مصقولة تعكس ما نريد رؤيته، بل قطعة زجاج قديمة، مكسورة الحواف؛ إن أمسكتَ بها من زاوية واحدة جرحتك، وإن تجاهلتَ تشققاتها خدعتك.

في الخطابات السياسية التي تولد في زمن الحرب، يظهر نمط متكرر: استدعاء لحظات “حسم” كبرى من تاريخ العالم لتفسير الواقع الراهن، أو لتبرير خيارات قاسية باسم الضرورة. في هذا المنطق، تصبح الهزائم السابقة دليلًا على أن التردد قاتل، وأن الحلول العسكرية — مهما كانت كلفتها — هي الطريق الوحيد للخلاص.

هذا الاستدعاء لا يخلو من منطق داخلي؛ فهو ينطلق من خوف حقيقي من الانهيار، ومن قلق عميق من أن تضيع الفرصة الأخيرة. لكن المشكلة لا تكمن في الخوف ذاته، بل في طريقة ترجمته سياسيًا. هناك فرق دقيق، لكنه حاسم، بين أن يكون التاريخ أداة فهم، وأن يتحول إلى أداة تعبئة. ففي الحالة الأولى، يمكن للتاريخ أن يوسّع أفق الرؤية، ويكشف التعقيد، ويذكّرنا بأن كل قرار له ثمن طويل الأمد. أما في الحالة الثانية، فيُختصر إلى استعارة واحدة، تُضغط على الواقع ليُشبه قصة جاهزة، ويُطلب من الحاضر أن ينصاع لها.

خطاب “اللحظة الحاسمة” ينتمي إلى هذا النمط الثاني. وهو خطاب لا يقول بالضرورة إن الحرب خير، لكنه يقول إن التردد شرّ. لا يعد بالنصر، لكنه يلوّح بالخلاص. ولا يحتكم إلى الحسابات الباردة، بل إلى قلق جماعي يبحث عن يقين سريع.

من منظور نفسي، هذا الخطاب مفهوم. العقل الإنساني، حين يواجه تعقيدًا طويل الأمد، يميل إلى تبسيط العالم في صورة خيارين: الآن أو الفناء، الحسم أو التيه.

التعقيد مُرهق، أما الحسم — حتى لو كان مكلفًا — فيمنح شعورًا زائفًا بالسيطرة. لكن السياسة ليست علاجًا نفسيًا، والتاريخ ليس جلسة طمأنة.

حين تُستدعى لحظات تاريخية كبرى — سقوط دول، انتصارات خاطفة، أو هزائم مُذلّة — لتبرير خيار واحد في الحاضر، فإننا لا نستخدم التاريخ بوصفه معرفة، بل بوصفه أداة ضغط أخلاقي. الاستعارة هنا لا تشرح الواقع، بل تُسكت الأسئلة حوله. الخطر لا يكمن فقط في الخطأ الوقائعي للمقارنة، بل في ما ينتج عنها نفسيًا وسياسيًا: من يعترض يُتهم بالجبن،

ومن يناقش يُصنَّف كمتردد، ومن يطالب بالتفكير يُوضع خارج “اللحظة”.

وهكذا يتحول التاريخ من فضاء للمساءلة إلى محكمة فورية لا تقبل الاستئناف. لكن التاريخ، إذا أُخذ بجدّية، يقول شيئًا أكثر إزعاجًا:

إن الحسم العسكري، حين يحدث خارج دولة متماسكة، وجيش مهني واحد، وعقد اجتماعي قائم، لا يُنهي الأزمات، بل يُعيد إنتاجها بأدوات أكثر عنفًا. ويقول إن المقارنات السطحية بين سياقات مختلفة تُنتج يقينًا سريعًا… لكنه يقين هشّ.

في الحالة السودانية، يصبح هذا التحذير أكثر إلحاحًا. فالحرب هنا لم تهبط من سماء صافية، ولم تكن نتيجة عدوان خارجي خالص، بل انفجار مسار طويل من عسكرة السياسة، وتآكل الثقة، وغياب التوافق على شكل الدولة. لذلك، فإن استدعاء نماذج حروب خارجية دون مساءلة هذا المسار الداخلي يمنح شعورًا زائفًا بالوضوح، لكنه لا يقدّم حلًا. بل أكثر من ذلك، يمنح راحة نفسية نادرة: راحة الإعفاء من المسؤولية الطويلة. فبدل مواجهة أسئلة الدولة، والعدالة، والهوية، وبناء المؤسسات، يكفي أن نقول: “لنحسم أولًا… ثم نفكّر”. لكن “ثم” هذه، في تجارب كثيرة، لم تأتِ أبدًا.

والأخطر أن خطاب “اللحظة الحاسمة” يعيد تعريف الوطنية نفسها. الوطن يصبح اختبار ولاء لا مساحة اختلاف، والسياسة تتحول إلى سباق إثبات شجاعة، بينما يوظف التاريخ كسلاح يُلوّح به لا مرآة يُنظر فيها.

في المقابل، هناك استخدام آخر للتاريخ — أقل إثارة، لكنه أكثر أمانًا.

استخدام يرى في التاريخ سجلًّا للأثمان، لا دليلًا للقرارات الجاهزة.

يرى فيه تحذيرًا؛ مما يحدث حين يُستعجل الحسم، وحين يُختصر المجتمع في معركة، وحين تُقمع الأسئلة باسم الضرورة. هذا الاستخدام لا يمنح إجابات سهلة، لكنه يمنع الكوارث السهلة. في النهاية، السؤال ليس: هل نحن في لحظة حاسمة؟ بل: هل نستخدم فكرة “اللحظة الحاسمة” لفهم الواقع، أم للهروب من تعقيده؟ التاريخ لا يطلب منا أن نُقلّده،

ولا أن نستعيره كسلاح، بل أن نتعلّم منه أن كل اختصار قاسٍ للواقع يدفع ثمنه الناس لاحقًا. وحين نُدرك ذلك، يتغيّر صوت النقاش: يصبح أقل صراخًا، وأقل تخوينًا، وأهم من ذلك أكثر قدرة على تخيّل مخرج لا يقوم على الغلبة وحدها،

بل على تفكيك الشروط التي جعلت الغلبة تُغري أصلًا. ذلك، في جوهره، هو الفرق بين تاريخ يُستدعى ليُبرّر،

وتاريخ يُستدعى ليشهد

Exit mobile version