متابعات – سودان لايف نيوز – في قلب المثلث النفطي الأكثر حساسية بين الخرطوم وجوبا، بدت هجليج خلال الساعات الماضية وكأنها مسرح لسباق سياسي عسكري معقّد. فبعد انسحاب الجيش السوداني وسيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة قبل ثلاثة أيام، تحرّكت الخرطوم وجوبا بسرعة غير معهودة، في اتصالات ولقاءات رفيعة الهدف منها إعادة ضبط المشهد وضمان استمرار شريان النفط الذي تتنفس به دولة جنوب السودان.
فالهجليج ليست مجرد منطقة حدودية، بل حقل يضم 75 بئرًا ومحطة معالجة مركزية تستقبل يوميًا نحو 130 ألف برميل من نفط جنوب السودان، والذي يشق طريقه عبر خط أنابيب يمتد لـ 1600 كيلومتر حتى ميناء بشائر. توقف هذا الخط يعني كارثة لاقتصاد جوبا الذي يعتمد على النفط بنسبة تتجاوز 90% من إيراداته، وخسائر مباشرة للسودان تصل إلى 21 ألف برميل يوميًا وفقدان أكثر من مليون دولار يوميًا من رسوم العبور.
ومع التوتر الذي سبق دخول الدعم السريع إلى الهجليج، بدأت اتصالات عاجلة بين قيادتي البلدين بهدف حماية العاملين ومنع أي اشتباكات بالقرب من المنشآت. ومع التحرك، دفعت جوبا بقواتها نحو الحقل، بينما تراجعت قوات الدعم السريع عن المنطقة المحاذية للبنى التحتية.
وتشير المعلومات إلى أن قوة جنوبية ستتولى حماية الحقل، على أن يصل وفد أمني من وزارة البترول بجوبا إلى بورتسودان خلال الأيام المقبلة لوضع الترتيبات النهائية للتشغيل وضمان تدفق النفط دون انقطاع.
وفي الوقت ذاته، ظهر موقف جوبا واضحًا على لسان الفريق جونسون أولونج، الذي أعلن التزام بلاده بالحياد في الصراع السوداني، مؤكدًا أن مهمة جيشه ستقتصر على تأمين المنشآت النفطية. ونشر جيش جنوب السودان صورًا لعناصر من الجيش السوداني داخل أراضيه بعد انسحابهم، في خطوة تمت بتفاهم مباشر بين سلفاكير ميارديت وعبد الفتاح البرهان.
وكتأكيد على جدية الترتيبات، وصل رئيس أركان جيش جنوب السودان الفريق باول نانق إلى منطقة “رووينق”، حيث تجمع الجيش السوداني، في انتظار إكمال الاتفاقات الميدانية الجارية.
مصادر في جوبا أفادت بأن انتشار القوات الجنوبية حول الحقل سيكتمل خلال 48 ساعة، بعد إبلاغ قوات الدعم السريع بالمغادرة، تنفيذًا لاتفاق التعاون الأمني والنفطي بين البلدين، وهو أول تفعيل فعلي لبنوده منذ توقيعه، خاصة بعد حادثة القصف بالطائرات المسيّرة التي شهدتها الهجليج سابقًا.
وفي خضم هذه التحركات، أكّد جيش جنوب السودان أن تشغيل البنية التحتية مستقر، وأن هناك حالة تأهب قصوى لحماية المنشآت. كما كشفت تسجيلات منسوبة لمدير الحقل عن اتفاق بين وزارة الطاقة السودانية وشركة GPOC يقضي بانسحاب الطواقم السودانية واستبدالها بأخرى جنوبية لضمان استمرار الإنتاج.
ويرى الخبير الأمني إبراهيم عبد القادر أن دخول الدعم السريع إلى الهجليج لم يكن خطوة عسكرية فحسب، بل محاولة لتعزيز نفوذها وكسب نقاط سياسية وربما مالية، خصوصًا مع اعتماد جوبا على النفط الذي يمر عبر السودان. بينما يذهب الكاتب عبد الملك النعيم إلى أبعد من ذلك، معتبرًا ما جرى ضربة مباشرة للاقتصاد السوداني، مرجحًا وجود تفاهمات سرية بين قيادة الدعم السريع وحكومة جنوب السودان، وربما دعم إقليمي يقف خلف المشهد.
