“متوكل أبوسن” يكتب : تقعد بس

(من الآخر كدة)

بدايات الحراك المطلبي نهايات العام 2018، ضد نظام الرئيس السابق المشير عمر البشير، كنت قد تعرضت لموجة هجوم عنيفة من ناشطين وناشطات وصحفيين وصحفيات و (مستهبلين) و (مستهبلات) و ماعارف ( ايش كدة)، على موقفي من الحراك ، والذي رأوا فيه تطبيلا وانحيازا للرئيس البشير..!
وفشلت محاولاتي – حينها – في التاكيد على أنني بحكم مهنتي كصحفي لست مع أو ضد الرئيس البشير، وانما انا مع ما أرى فيه مصلحة وطني الكريم السودان وشعبه الابي.
وكانت رؤيتي التي بذلتها على (الاسافير) ، أن محاولات اقتلاع البشير من كرسيه، بخلاف صناديق الاقتراع او التنحي ستكون عواقبه وخيمة و ستدخل البلاد في نفق يصعب الخروج منه..
اجتهدت في توصيل فكرتي والدفاع عنها باستماتة من اجل الوطن وشعبه الطيب ، ولكن للاسف بح صوتي وضاعت فكرتي في زحام الهياج الارعن غير المسؤول الراكض خلف شعار (تسقط بس)..!!
هياج الاجندة والمحاور، الهياج المدعوم من الخارج والمسنود – بلا وعي – من الداخل، والذي استغل صغار السن وصغار التجربة فساقهم بظلفهم كالقطيع الى نهايتهم ونهايتنا التعيسة ، فمات من مات وجرح من جرح و(كان ما كان)..!
اخرجوهم ضد البشير ونظامه، خدعوهم وصوروا لهم أنه ونظامه يحول بينهم وبين فردوسهم المفقود، وخبزهم ووقودهم ودوائهم المدعوم..، لكن وكما يقول المثل السوداني الرائج ( المقتولة ما بتسمع الصايحة)، فاقتلع البشير اقتلاعا ، وبدات البلاد مسيرة التدحرج الى الخلف بسرعة جنونية، اضحت فيها – وهي تخطو نحو الثلاثة سنوات – على شفا حفرة من السقوط في هاوية الضياع..
انفلات امني غير مشهود في تاريخ السودان القديم والحديث،يخونك و يسرقك اقرب الناس اليك، يقتل فيه الانسان لاتفه الاسباب، انهيار اقتصادي مات فيه (الجنيه) و(شبع موت) وما عادت ( الخمسين جنيه) مبرئة للذمة امام المتاجر والجزارات،بل و(ستات الدكوة و الشاي) …!
سنوات عجاف افقرت كل الشعب السوداني، واضحت معظم اسره متعففة تنام جائعة ولا تسال الناس..!
تدحرجت القيم الى اسفل سافلين، وانتشرت الرزيلة والمخدرات وغابت الحشمة عن الشارع السوداني، وتبرجت قناته الفضائية القومية وغابت ملامح شعارها (لا اله الا الله)..!
التدهور المريع ضرب كل مناحي الحياة، وزادت معه معدلات الجريمة والعنف والاقتتال القبلي رغم ذهاب (الانقاذ) و التوقيع على اتفاق السلام بين الحكومة والحركات المسلحة…!
والآن و مع تفاقم الازمة الاقتصادية وتردي الاوضاع ارتفعت اصوات تطالب برحيل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وحكومته ورفعت ذات الشعار الكارثي ( تسقط بس).
وغض النظر عن موقفي من الرجل وحكومته الفاشلة ، يجب علينا أن لا نقع في ذات خطأ ( تسقط بس)، ففي تقديري انه اغبى شعار رفع في تاريخ السودان الحديث والقديم، ففكرته وببساطة تقوم على الهدم اولا وبعدها التفكير في كيف يكون البناء..!
واقول أن جسد البلاد الآن ما عاد فيها موطئ لازمة جديدة، وما عدنا نتحمل نواح وبكاء ام او اخت او زوجة على قبر ثائر جديد..
علينا ان نتحلى بقدر من الحكمة والوعي ومحاولة الاستفادة من خطأ الاطاحة بالبشير عنوة، وتداعياته المريرة على كل الشعب السوداني.
نعم، اثبت (حمدوك) وذمرته عجزهم وفشلهم البائن بينونة كبرى وصغرى في تقديم البلاد خطوة للامام، بل انهم وللاسف عجزوا حتى على الابقاء علي الاوضاع على ما كانت عليه آخر ايام الرئيس البشير ، ولكن رغم ذلك يجب ان لاتكون الاطاحة بهم بذات سيناريو الهياج والاندفاع الارعن خلف الشعار الغريب ( تسقط بس)..
نعم ليذهب حمدوك اليوم قبل غدا، ولكن يجب ان لا يسقط كما سقط سلفه ، فتزداد دائرة الفشل اتساعا وتتفاقم الازمات باسوأ مما رأينا، ونعود مرة اخرى لذات الدائرة الخبيثة (تسقط بس)، ولكن بعد ان نكون قد شيعنا المزيد من الجثث بفعل الجوع قبل العنف..
ليذهب حمدوك، ولكن بسلاسة ووفاق تام بين كل مكونات الشعب السوداني، بعيدا عن شعارات (تسقط بس)، يتسلم فيها الجيش زمام الامر، تشكل فيها حكومة انتقالية تشرف على قيام انتخابات حرة ونزيهة في أقل من عام، يختار فيها الشعب السوداني من يحكمه..
وياحبذا، لو استعجل ( حمدوك) واختار أن يخلد اسمه باحرف الثناء والتقدير في ذاكرة الشعب السوداني، بل وشعوب العالم اجمع ، باعلان تنحيه اعترافا بعدم قدرته على ادارة البلاد والدفع بمبررات موضوعية تحفظ له ماء وجهه ، وافساح المجال أمام الشعب السوداني لاختيار من يحكمه في فترة وجيزة لا تتعدى العام، ولا ضير في أن يواصل هو – مأجورا مشكورا – على رأس حكومة تصريف أعباء من كفاءات وطنية حقيقية، تشرف على الانتخابات العامة، ونبدأ اول خطوة في مشوار الالف ميل نحو الحرية والسلام والعدالة..

Exit mobile version