قد يجمع السلاحُ حلفاءه، وقد تجمعهم السلطة سنوات، لكن ساعة اقتسام القرار تكشف ما أخفته المصالح.. فالمفاصلة لا تبدأ دائماً بطلقة؛ أحياناً تبدأ بورقة، وتنتهي بوطنٍ يدفع الثمن.❞
تقول الحكاية: في ديسمبر 1999، كان عمر البشير وحسن الترابي شريكين في السلطة التي جاءت بانقلاب يونيو 1989.. جمعهما مشروعٌ واحد، وتحالف صاغته سنوات من العمل السياسي، لكنهما اختلفا حين اقترب السؤال من جوهر الحكم:( مَن يملك القرار، ومَن يرسم حدود سلطة الآخر؟)..
كان الترابي، رئيس البرلمان، يسعى إلى تعديلات تحدّ من صلاحيات البشير. وقبيل التصويت، تأمر عليه البشير متكيئاً في ذلك على تلاميذه العشرة الموقعين على المذكرة .. حلّ البشير البرلمان، وأعلن حالة الطوارئ، ثم مضى الصراع إلى إقصاء الترابي وانقسام الإسلاميين إلى معسكرين.. لم تكن تلك نهاية خلاف شخصي فحسب؛ كانت انكشافاً لشراكة لم تعد تحتمل اقتسام السلطة كما كان الطرفان يريدانها..
لم تتكرر تلك المفاصلة حتى الآن في تحالف البرهان ومناوي، ولا يصح أن نستبق الوقائع فنكتب نهايتها قبل أن تبدأ.. لكن التاريخ يضع أمامنا مرآةً تستحق النظر:( ماذا يحدث حين يتنازع الحلفاء على القرار والموارد، ويصبح ما يجمعهم أضعف من مصالحهم المتعارضة؟)..
(1)
الخبر الذي أعاد السؤال إلى الواجهة يقول إن الفريق البرهان، أوقف المخصصات المالية لقوات مني أركو مناوي، وعلّق لقاءاته المباشرة معه، وسط خلافات بشأن تحركات القوات والأوامر العسكرية.. وقد نشر موقع (The Sudan Times) هذه التفاصيل، مستنداً إلى مصادر لم يسمّها، تحدثت أيضاً عن رفض بعض القوات أوامر إعادة الانتشار، وعن تحرك عربات قتالية من شمال السودان نحو دارفور.
هنا تبدأ مسؤولية الصحافة، ولا تنتهي.. فالتقرير موجود، لكن وجود التقرير لا يعني أن كل ما ورد فيه أصبح حقيقةً ثابتة.. وهنا من المهم أن نقول:( لم يتوافر لنا تأكيد رسمي مستقل يحسم صدور قرار التجميد وتنفيذه، ولا وثيقة مالية تثبت نطاقه أو مدته أو مبرراته).. لذلك نقول للقارئ بوضوح: هناك خبر منشور عن التجميد، وهناك خلاف معلن في سياقه..
وفي المقابل، فإن تهديد مناوي بالتمرد فقد أعلنه على الهواء الطلق وسمعه القاصي والداني.. فيما ربطت (الجزيرة نت) في 12 أكتوبر 2026 تهديد مناوي بالتمرد وتراجعه، باعتراضه على إنشاء تشكيلات مسلحة جديدة وتمويلها من المال العام.. كما نقلت صحيفة (الشرق الأوسط) عن مناوي اعتراضه على إنشاء قوات خارج مؤسسات الدولة.. هذان المساران يقدمان سياقاً مهماً، لكنهما لا يشكلان، بمفردهما، إثباتاً مستقلاً لقرار وقف المخصصات.
(2)
مَن هو مناوي، ولماذا لا يمكن المرور بخلافه مع البرهان كأنه خصومة بين مسؤولين؟..
مناوي قائد حركة تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور، وواحد من قادة الحركات المسلحة التي انتقلت من قتال الحكومة إلى المشاركة في ترتيبات السلطة، ثم وقفت قواته إلى جانب الجيش في الحرب الراهنة. وخلفه تاريخ من القتال، وشبكات من المقاتلين والقيادات الميدانية، وقاعدة اجتماعية لا تنفصل عن تعقيدات دارفور..
قوات مناوي شاركت في القتال إلى جانب القوات المسلحة، وبرز دور الحركات المتحالفة مع الجيش في جبهات دارفور، ولا سيما خلال المعارك حول الفاشر. ومن ثم، فإن أي خلاف يتصل بتمويل قوات مناوي أو تحركاتها أو موقعها في منظومة القيادة يستحق أن يُقرأ في ضوء أثره المحتمل على تماسك المعسكر العسكري.
لكن هذه الأهمية لا تمنح مناوي حصانة من المساءلة، كما أن خلافه مع البرهان لا يثبت تلقائياً صحة موقفه أو خطأ موقف القيادة.. المسألة أبعد من الأشخاص: هل توجد قواعد واضحة تحكم العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة، أم أن التحالف لا يزال محكوماً بتفاهمات تتسع حين تتلاقى المصالح وتضيق حين تتعارض؟
(3)
ولا تكتمل قراءة المشهد من دون النظر إلى حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وزير المالية. فالحركتان، رغم اختلاف قيادتيهما وحساباتهما، نشأتا في سياق الصراع الدارفوري، وارتبطت قواعد مهمة فيهما بمجتمعات الزغاوة، من دون أن تنحصر أي منهما في قبيلة واحدة..
أما أعداد المقاتلين وحجم الترسانات، فلا يصح أن نملأ فراغ المعلومات بأرقام بلا سند.. العدد وحده لا يكشف الجاهزية، والسلاح لا يحدد وحده موازين القوة؛ فهناك القيادة والإمداد والانتشار والقدرة على التعبئة..
والأخطر أن تتحول هذه الحسابات إلى اختزال للصراع في القبيلة.. فالهوية الاجتماعية قد تؤثر في التحالفات، لكنها لا تجعل كل أبناء الجماعة كتلةً سياسية واحدة، ولا تثبت أن التنافس بين الحركات صراع قبلي.
(4)
هنا تبرز المفارقة: جبريل إبراهيم، قائد حركة العدل والمساواة، يتولى وزارة المالية، فيما يتحدث التقرير عن توجيه البرهان إليه بعدم صرف مخصصات قوات مناوي.
إن صحّ ذلك، فالسؤال يتجاوز مَن يملك المال إلى مَن يحدد أوجه إنفاقه، وعلى أي أساس تُصرف الموارد العسكرية، وأين ينتهي القرار المؤسسي ويبدأ الضغط السياسي.
هل يتعلق الأمر بضبط القوات وتنفيذ الأوامر؟ أم بخلاف على التشكيلات المسلحة الجديدة؟ أم بتنافس أوسع على النفوذ داخل المعسكر المتحالف مع الجيش؟..
لا نملك ما يكفي للجزم.. لكن المال في زمن الحرب ليس أرقاماً في دفتر؛ إنه إمدادٌ وحركةٌ وانتشار، وقد يصبح ورقةً في صراع السلطة.
ومن حق السودانيين أن يعرفوا كيف تُدار الأموال العامة، خصوصاً حين تتصل بقوات تحمل السلاح باسم الدولة.
(5)
هنا تعود مفاصلة 1999، لا باعتبارها نسخةً جاهزة من الحاضر، بل درساً في طبيعة الشراكات التي تجمعها المصالح وتختبرها السلطة..
اختلف البشير والترابي على القرار وصلاحيات الحكم، فانتهت الشراكة إلى الإقصاء والانقسام.. أما خلاف البرهان ومناوي، فلم يبلغ هذه النهاية حتى الآن.. لكن السؤال المشترك يظل قائماً: ماذا يحدث حين تتعدد مراكز القوة، وتضيق مساحة الاتفاق على القرار؟
قد يُحتوى الخلاف بتفاهمات واضحة، وقد يتصاعد إن تُركت أسبابه بلا معالجة.. فالتاريخ لا يفرض نهاياته على أحد؛ لكنه يترك إشارات لمن يريد أن يتعلم قبل فوات الأوان.
(6)
إذا ثبت وقف المخصصات واستمر الخلاف حول الأوامر العسكرية والتشكيلات الجديدة، فقد تتراجع الثقة بين القيادة والحركات المتحالفة معها، ويتأثر التنسيق والإمداد وتوزيع القوات، ولا سيما في دارفور..
لكن الاحتمال ليس واقعة؛ فلا دليل كافياً على خروج قوات مناوي من التحالف أو بدء مواجهة بينها وبين الجيش.. والخلط بين ما وقع وما قد يقع لا يخدم الحقيقة، بل يضيف إلى ضباب الحرب ضباباً آخر.
ومع ذلك، فإن انتظار الانفجار حتى نكتب عنه ليس صحافة مسؤولة. المطلوب توضيح حقيقة التمويل، وإعلان قواعد القيادة وإعادة الانتشار، ووضع آلية مؤسسية لحسم الخلافات، وتحديد مسار واضح لدمج القوات ومساءلتها.
فالانضباط لا يُبنى بالغموض، ووحدة القيادة لا تستقيم بتعدد مراكز القرار؛ كما أن العدالة لا تتحقق بإخضاع حليف للقواعد وإعفاء آخر منها.
(7)
السؤال الذي ينبغي أن يواجه البرهان ومناوي وجبريل إبراهيم ليس مَن يكسب جولة الخلاف، بل مَن يتحمل كلفة فشل تسويته.
المواطن الذي غادر داره، والأم التي تنتظر عودة ابنها، والجندي الذي يقاتل في الميدان، لا يحتملون حرب جديدة داخل الحرب.. هؤلاء يدفعون ثمن صراعات السلطة، من دون أن يجلسوا إلى موائد اقتسامها..
إن كان وقف المخصصات إجراءً لضبط القوات، فلتُعلن أسبابه وأسانيده..
وإن كان الخلاف على تشكيلات جديدة، فليُحسم ضمن ترتيبات أمنية واضحة..
وإن كان تنازعاً على النفوذ، فلن تعالجه التسريبات ولا الشعارات..
لا يُطلب من مناوي التخلي عن كل اعتراض، ولا من البرهان التخلي عن مسؤولية القيادة؛ المطلوب إخضاع الجميع لقواعد معلنة، تحفظ للدولة قرارها، وللمؤسسات دورها، وللمواطن حقه في معرفة ما يُتخذ باسمه.
مطر الحصو..
لم تقع مفاصلة جديدة حتى الآن، ولا يجوز أن نكتبها قبل أن تقع.. لكن الخلاف حين يمس المال والسلاح والقيادة لا يعود شأناً خاصاً بأصحابه.. بل الفعل الذي يسبق العاصفة..
فقد كشفت مفاصلة 1999 أن سنوات الشراكة لا تمنع الانقسام حين يستحيل الاتفاق على السلطة.. أما درس اليوم، فهو أن اجتماع البنادق لا يصنع دولة؛ الذي يصنعها قانونٌ واحد، وموارد خاضعة للرقابة، وقرار تحكمه المؤسسات لا تقلبه المصالح.
فهل يختار الشركاء طريق الاحتواء، أم يتركون خلاف اليوم يكتب غداً ما لم يقرروه بعد؟
ومضة..
جمع البشير والترابي مشروعٌ واحد، وتقاسما سلطةً واحدة، لكنهما حين اختلفا على القرار، لم تنقذ سنوات القرب شراكتهما، ولم تحمِ الشعارات جسور التحالف.. انتهت المفاصلة إلى انقسام الإسلاميين على السلطة التي اجتمعوا يوماً للاستيلاء عليها.
لم تكن العبرة أن كل خلاف ينتهي إلى انشقاق؛ بل أن الخلاف الذي يُترك حتى يستحيل التفاهم قد يهدم ما عجز الخصوم عن هدمه.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول:”حين يتنازع الشركاء على السلطة، يدفع الوطن الثمن؛ وحين يتقدم العقل على المصالح، تبقى للأوطان فرصة النجاة من حماقة المفاصلة”.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
